تدوينة بقلم: د. يسرى المصري
تثير القرارات الجمركية الجديدة ردود فعل متباينة، يمكن وصفها بالمعقدة، لا سيما على استراتيجية التعافي الاقتصادي. فعندما تصدر الحكومة، في غضون أشهر، حزمةً من القرارات الجمركية هي الأكثر جرأة منذ عقدين، فإن السؤال الأول الذي يطرحه المحلل الموضوعي ليس: “ماذا تنص هذه القرارات؟”، بل: “لماذا الآن؟”.
التوقيت حَرِج، والجواب يكمن في معادلة بسيطة، ولكنها – كما يصفها البعض – قاسية ذلك أن الدولة بحاجة إلى مصدرين لا ثالث لهما. الأول: الإيرادات لتمويل الموازنة. والثاني: السيادة التي أضاعها النظام البائد، والتي تُبنى عبر إظهار القدرة على “السيطرة” و”الحماية” و”العدالة”.
من هنا، لا يمكن قراءة المشهد بمنظار اقتصادي بحت، لأن القرارات الجمركية في الحالة السورية ليست مجرد أداة فنية لتحصيل الرسوم، بل هي استراتيجية جيوسياسية بامتياز في مرحلة التأسيس. ومن هنا، فإن تقييم تأثيرها على التعافي الاقتصادي لا يمكن أن يكون خطّياً.
ثلاثية القرارات الجمركية
بدايةً، ما يجب معرفته لفهم التأثير: لا بد من تفكيك القرارات الجمركية الجديدة إلى ثلاثة مستويات، لكلٍّ منها منطق مختلف وآثار مغايرة.
1. القرار السيادي: حظر البضائع الإسرائيلية (المرسوم 109)
نصَّ القانون الجديد على حظرٍ صريح لدخول البضائع الإسرائيلية أو القادمة من كيانات مُقاطعة، مع تصنيفها ضمن قائمة الجرائم الكبرى (كالأسلحة والمخدرات). هذا القرار، في جوهره، سياسي لا اقتصادي. وهو يعكس استمرارية الموقف السوري التاريخي، لكن الجديد هو آليات التنفيذ، حيث نصَّ قانون الجمارك الجديد على محاكم جمركية قادرة على إصدار أحكام تنفيذ معجَّل، وعقوبات مالية تصل إلى 6-8 أضعاف قيمة البضاعة.
2. القرار الحمائي: حماية المنتج المحلي (التعريفة الموحدة – المرسوم 110)
الهدف هو تشجيع الصناعة الوطنية عبر نظام تعرفة تفاضلي يتسم – حسب رأي البعض – بإيجابية عالية، عبر فرض رسوم صفرية أو شبه صفرية على المواد الأولية وخطوط الإنتاج، ورسوم مرتفعة على السلع تامة الصنع. وهذا يتسق مع الخطة التي أعلنها اتحاد غرف الصناعة، والتي تطالب بإلغاء الرسوم الجمركية على المدخلات الإنتاجية غير المتوفرة محلياً، وفرض رسوم مكافحة الإغراق.
3. القرار اللوجستي: “ظهراً لظهر” (القرار 31)
ربما هو الأكثر إثارة للجدل، ويلزم الشاحنات الأجنبية بتفريغ حمولتها عند الحدود ونقلها إلى شاحنات سورية. الهدف: حماية الناقل المحلي وإعلان السيادة على حركة البضائع.
إشكالية التعافي
قبل الحكم على هذه القرارات، لا بد من وضعها في سياق المالية العامة السورية. ففي عام 2025، سجلت سوريا فائضاً في الميزانية قدره 46 مليون دولار، وهو الأول منذ عام 1990.
ولكن، كما يحذّر المركز السوري لبحوث السياسات، فإن هذا الفائض هو “فائض محاسبي” وليس “فائضاً تنموياً”. فقد تحقق في اقتصاد نما بنسبة 0.3% فقط (أي راكد عملياً)، بينما انخفض الناتج الفردي بنسبة 6%. والأكثر دلالةً: شكلت الإيرادات الجمركية 39% من إجمالي الإيرادات، بينما لم يتجاوز الإنفاق الاستثماري 7% من المصروفات.
هذا يعني، في الحالة السورية، أنها تعيش حالياً على اقتصاد الريع الجمركي، وليس على فائض إنتاجي. وأي قرار يُعطِّل حركة التجارة أو يرفع كلفتها، قد يضرب الأساس الذي يقوم عليه هذا الفائض.
الأثر التفاضلي (الفائزون والخاسرون)
الفائزون (على المدى القصير إلى المتوسط)
– الصناعي المحلي: خصوصاً في قطاعات النسيج والغذاء والكيماويات، فرفع الجمارك على السلع تامة الصنع يمنحهم غطاءً سعرياً لإعادة تشغيل خطوط الإنتاج.
– الناقل السوري: قرار “ظهراً لظهر” يَخلق احتكاراً فعلياً للنقل البري، مما يعيد توزيع حصة السوق من شركات الشحن الأجنبية إلى المحلية.
– الخزينة العامة: في المدى القصير، أي زيادة في التكاليف الجمركية ستترجم إلى إيرادات إضافية.
الخاسرون
-المستهلك السوري: هو الخاسر الأكبر. أي ارتفاع في كلفة النقل (15-20% نتيجة “ظهراً لظهر”) أو في الرسوم الجمركية سيُحمَّل مباشرةً إلى السعر النهائي. في بلد يعاني أصلاً من تراجع الأمن الغذائي، هذا يعني مزيداً من التضخم.
– المُصدِّر السوري: القرارات التي تُعطِّل الحركة على الحدود (كالازدحام الناتج عن إعادة التحميل) تجعل المنتج السوري أقل قدرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية.
– التاجر المستورد: لا سيما صغار المستوردين الذين لا يمتلكون القدرة على تحمّل تكاليف الامتثال الإضافية أو فترات الاحتجاز الطويلة في الجمارك.
التوازن بين السيادة والاندماج
ربما يكون السؤال الأعمق الذي تثيره القرارات الجمركية الجديدة: أي نموذج اقتصادي تتبنى سوريا الجديدة؟
تشير القراءة التحليلية إلى نموذج يمكن وصفه بأنه “الحماية السيادية”، أي استخدام الأدوات الجمركية واللوجستية لصالح الفاعل المحلي، حتى لو كان ذلك على حساب الكفاءة والتكامل الإقليمي. هذا النموذج له مبرراته في مرحلة “ولادة وبناء الدولة”، فهو يبني فاعلين اقتصاديين محليين (ناقلين وصناعيين) يمكن أن يكونوا عماد الاستقرار والتعافي.
لكن يخشى البعض أن يكون ثمن هذا النموذج هو الانكفاء التجاري. فقرار “ظهراً لظهر”، على سبيل المثال، يخاطر بتحويل المسار التجاري نحو المعابر غير الرسمية أو الموانئ البديلة (كبيروت وميناء العقبة)، مما قد يضعف الإيرادات الفعلية للدولة. وقد يستغله البعض في رسائل سلبية، كأن يُرسل إشارة للمستثمر الأجنبي بأن سوريا تُناقض ما تُعلن، وأنها سوق مفتوح، وقد تكون التجارة معها مكلفة ومعقدة.
سيناريوهات أثر القرارات الجمركية
السيناريو الأول (الأكثر ترجيحاً على المدى القصير): أزمة تضخم وتهريب
مع استمرار تطبيق “ظهراً لظهر” بشكل صارم دون بنية تحتية جاهزة، ستتضاعف أوقات الإفراج الجمركي وترتفع الكلف. سيؤدي ذلك إلى:
– ارتفاع أسعار السلع المستوردة بنسبة 10-15% خلال عام 2026.
– تحول المسار التجاري نحو التهريب عبر المعابر غير الرسمية، مما سيُضعف الإيرادات الفعلية.
السيناريو الثاني (التوازن): تعويض الكلفة بالكفاءة
إذا رافقت القرارات استثمارات في رقمنة الجمارك وتبسيط الإجراءات، فقد يتم تعويض ارتفاع الكلفة اللوجستية بتقليص زمن الإفراج والفساد. وهذا يتطلب منصة رقمية وطنية، ودمجاً للدفع الإلكتروني، وتدريباً مكثفاً للكوادر. في هذا السيناريو، يمكن للقطاع الخاص أن يتقبل التكاليف الإضافية مقابل الشفافية والسرعة.
السيناريو الثالث (الاستدامة): نموذج الحماية الذكية
وهو الأكثر طموحاً، وفيه تتحول القرارات الحمائية الحالية إلى سياسات تدرجية وليست ثنائية (حظر/إباحة). مثلاً:
– فرض رسوم على السلع تامة الصنع تتصاعد تدريجياً (50% الآن، 80% بعد 6 أشهر، 100% بعد سنة)، مما يمنح الصناعي أفقاً استثمارياً دون صدمة أسعار للمستهلك.
– إعادة تصميم “ظهراً لظهر” بحيث يُستثنى منه السلع الاستراتيجية (القمح والدواء والطاقة)، مع إنشاء “ممر أخضر” إلكتروني للشاحنات السورية في الموانئ.
قراءة في مضامين القرارات التفصيلية
تتوزع القرارات الجديدة على ثلاثة مستويات: هيكلي (القانون)، وآلي (التعرفة)، وإجرائي (الحدود).
أولاً: البنية القانونية: بإصدار الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 109 لعام 2026، تم إلغاء قوانين 2006 التي أصبحت بالية ولا تستجيب لتعقيدات الصراع والعقوبات. أبرز ما في القانون الجديد:
– مركزية الحسم: يمنح القانون صلاحيات أوسع للإدارة العامة للجمارك في حسم النزاعات عبر “التنفيذ المعجل” في المحاكم الجمركية.
– التصنيف الأمني: أدرج القانون تهريب البضائع “الإسرائيلية” أو القادمة من كيانات مقاطعة ضمن قائمة الجرائم الكبرى (كالمخدرات والأسلحة)، مع عقوبات مالية صارمة على الإقرارات الكاذبة بمنشأ البضاعة.
ثانياً: التعريفة الموحدة (المرسوم 110) – حماية بالخفاء: سيُعمل به اعتباراً من حزيران 2026، ويُعد نقلة نوعية من حيث التصنيف. لكن الجوهر ليس في الترقيم، بل في “الهوامش التفاضلية” التي تُخفي سياسة الحماية:
– مواد أولية (صفر أو 1%): تشمل خطوط الإنتاج والمواد الخام غير المتوفرة محلياً.
– منتجات نصف مصنعة (معدل متوسط): لتحفيز التجميع المحلي.
– سلع تامة الصنع (نسبة عالية أو حظر): تحديداً في قطاعات النسيج والغذاء والأدوية المنافسة.
ثالثاً: الإجراءات الحدودية:
– “ظهراً لظهر”: ابتداءً من آذار 2026، أُجبرت الشاحنات الأجنبية على تفريغ حمولتها عند الحدود ونقلها إلى شاحنات سورية. الهدف المعلن: دعم الناقل المحلي. النتيجة المتوقعة: تضاعف زمن الشحن وارتفاع التكاليف بنسبة تتراوح بين 15% و20% في تقديرات أولية.
– تنظيم السيارات: بعد انفجار استيراد السيارات المستعملة في 2025، تم تقييد الاستيراد. القرار الجديد يسمح فقط للمستثمرين في المناطق الحرة بإدخال سيارات مستعملة بشرط “عدم التملك” و”عدم السير” خارج المناطق الحرة، مع تفعيل نشاط “تقطيع” السيارات لمنع إعادة تجميع الحوادث.
الدوافع (ما وراء القرارات)
القرارات الجمركية الجديدة ليست مجرد “إجراءات فنية”، بل تعكس تحولات استراتيجية في فكر الدولة الجديدة:
1. الدافع المالي (الأكثر إلحاحاً): الصراع أوقف الإنتاج، والعقوبات قلصت التحويلات. الجمارك هي الشريان الوحيد المتبقي لتمويل الرواتب والدعم لحين تعافي الصناعة والنفط والبدء بالإنتاج وتوزيع عبء التمويل. أي “تسريب” جمركي (كالتهريب عبر المعابر غير الرسمية) يُعتبر تهديداً وجودياً.
2. الدافع السياسي (بناء الدولة): في مرحلة التأسيس، تحتاج الدولة إلى “إظهار العضلات” على الحدود. قرار “ظهراً لظهر” ليس اقتصادياً بحتاً، بل هو إعلان سيادة على حركة البضائع، ورسالة للنظامين اللبناني والأردني بأن “السيادة الجمركية” خط أحمر.
3. الدافع الاجتماعي (كسب المواطن): الطبقة الوسطى من الناقلين وأصحاب المصانع الصغيرة هي عماد الاستقرار الاجتماعي. حماية الناقل السوري (عبر “ظهراً لظهر”) أو إحياء مصانع النسيج في حلب (عبر رفع الجمارك عن القطن الخام) هو شراء للاستقرار الاجتماعي في المدن الكبرى.
المبادلة الذكية (مقترحات)
بدلاً من التراجع أو التشدد، نقترح مساراً قائماً على “المبادلة الذكية”:
1. مبادلة “ظهراً لظهر” بـ “تبسيط الإجراءات”: عبر إنشاء “ممر أخضر” إلكتروني للشاحنات السورية فقط في موانئ طرطوس واللاذقية. بهذه الطريقة، يمكن تعوّيض الناقل المحلي بتوفير الوقت (يوماً بدلاً من 5 أيام) عوضاً عن فرض احتكار النقل البري الذي سيرفع الأسعار.
2. تطبيق الرسوم التصاعدية لا الثابتة: بدلاً من حظر استيراد السلع تامة الصنع فجأة (ما يخلق سوقاً سوداء)، يمكن فرض رسوم تتضاعف كل 6 أشهر. مثلاً: رسوم 50% الآن، ثم 80% بعد 6 أشهر، ثم 100% بعد سنة. هذا يمنح المصنع المحلي “أفقاً زمنياً” لبناء طاقته دون صدمة أسعار فورية للمستهلك.
3. استثناء السلع الاستراتيجية (القمح، الدواء، الطاقة) من تطبيق “ظهراً لظهر” على شاحنات المساعدات أو المواد الغذائية الأساسية. يساعد ذلك في الحد من ارتفاع أسعار الخبز.
4. تحفيز مكافحة التهريب: بدلاً من توزيع الغرامات 60% للخزينة و40% للجمارك، يمكن منح نسبة (مثلاً 10%) للمُبلّغين عن قضايا التهريب عبر منصة رقمية. بما يُساهم في تحويل المجتمع إلى رقيب على الحدود، وهو إجراء أوفر وأرخص من آلاف عناصر حرس الحدود.
الخلاصة
العبرة ليست في التشريع، بل في التطبيق. كالمشاركة في النشر على موقع رئاسة الحكومة “لوحة قيادة الجمارك” التي تظهر أسبوعياً: عدد الحاويات المفرَج عنها، متوسط زمن الإفراج، وحجم الإيرادات. هذا وحده سيرفع ثقة المستثمرين بنسبة تفوق أي تخفيض ضريبي.
سوريا اليوم تمر بمرحلة “ولادة قيصرية” للنظام المالي. والقرارات الجمركية جريئة وضرورية، ولكنها تحمل في طياتها شيفرة جينية تبدو وكأنها تتعارض مع الانفتاح الاقتصادي الذي يحتاجه التعافي. المدخل الصحيح ليس “تراجعاً” ولا “تشدداً”، بل “تفاضلاً”: كشد الحبل مع المستوردين الكبار لصالح المنتج المحلي، مع إرخاء الحبل للمواطن الفقير في تأمين السلع الأساسية.
ويبقى التحدي الحقيقي ليس في كتابة القوانين، بل في تنفيذها بمرونة، ومنع الفساد من التسلل عبر النوافذ الإدارية، ومنع قرارات الحماية من التحول إلى أداة ريعية جديدة تلتهمها الإجراءات التنفيذية المسيئة لروح القانون.