بقلم: أ.عباس شريفة

كاتب وباحث

 

المقدمة
يمر العالم بأزمة طاقة لا يمكن التنبؤ بموعد انتهائها، بحكم ارتباط الأزمة بالحروب التي أثرت بشكل مباشر على معابر الطاقة في العالم وعلى الدول المنتجة للطاقة. فروسيا إحدى أكبر الدول المنتجة للنفط، تخضع اليوم لعقوبات غربية صارمة بسبب الحرب في أوكرانيا، وإيران نقلت مواجهتها مع إسرائيل إلى مواجهة مع دول الخليج العربي، مما أدى إلى تأثر الملاحة الدولية في مضيق هرمز ومضيق باب المندب بعد وصول جماعة أنصار الله الحوثية، وهو ما انعكس على أسعار النفط المحلية في سوريا.
إن توقع الأزمات الدولية المتتالية فيما يتعلق بأزمة الطاقة، يحتّم علينا التفكير بخطة استراتيجية للتحوط وتجنب آثار الأزمة قبل وقوعها، وليس مجرد الانشغال بإدارتها وانتظار الحل المرتبط بانتهاء النزاعات الدولية.

 

الاستثمار في الموقع الجغرافي بحاجة لإعادة التموضع السياسي
لقد كثر الحديث عن أهمية الموقع الجيواستراتيجي لسوريا، وعن إمكانية الاستثمار في الجغرافيا السورية كبديل عن مضيق هرمز، خصوصاً أن القيادة السورية الجديدة تحمل رؤية مختلفة عن النظام الساقط الذي كان يحافظ على نظامه من خلال القدرة على ضرب الاستقرار في المنطقة، بينما تنطلق القيادة السورية الجديدة من رؤية أن سوريا هي ركيزة أساسية في استقرار المنطقة.
لكن ليس كل ما هو ممكن نظرياً قابلًا للتحقق عملياً من دون أدوات حقيقية، لأن الانتقال من لعنة الجغرافيا إلى عبقريتها يحتاج إلى عقلية سياسية استراتيجية قادرة على إعادة التموضع السياسي لسوريا ضمن شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية، بحيث نبتعد عن الانخراط في بؤر الصراع المستنزفة، ونرفض سياسة المحاور والاستقطاب التي ساهمت في عزل سوريا عن العالم، ونسعى إلى ربط المصالح الدولية والإقليمية بموقعنا الجغرافي، بحيث يتحول أمن واستقرار سوريا من مجرد حاجة تنموية وأمنية وطنية إلى مصلحة دولية وإقليمية يندفع العالم للحفاظ عليها.

إن تحقيق التحوط الاقتصادي على مستوى أمن الطاقة بالنسبة لسوريا يحتاج إلى تحوط أمني وسياسي وشراكات إقليمية صلبة، تحقق جانباً مهماً من التكامل الاقتصادي مع محيطها القريب، وتضمن الاستقرار الأمني، وتحقق الترابط على مستوى معابر الطاقة وطرق التجارة الدولية، وهنا لا بد من إعادة دراسة موضعنا الجغرافي في المنطقة ضمن ثلاث دوائر مترابطة.

 

الدائرة الأولى: منطقة شرق المتوسط
إن منطقة الشرق الأوسط اليوم مقسمة إلى فضاءات جيوسياسية مترابطة، فالخليج العربي اليوم يشكّل منظومة أمنية واقتصادية راسخة، وتركيا وحدها تشكل فضاءً اقتصادياً في الشرق الأوسط، وإسرائيل تحاول أن ترسم فضاءها الخاص عبر الشراكة مع عدد من الدول، وهناك منطقة شرق المتوسط التي تقع في مركز الشرق الأوسط، والتي تضم كلاً من سوريا ولبنان والأردن والعراق، وهي دول متشابهة ثقافياً، ومتداخلة من حيث العلاقات الاجتماعية والعشائرية، ومتصلة جغرافياً، وتشكل بمجموعها فضاءً حضارياً متميزاً.

وهي دول غير مرتبطة بفضاءات جيوسياسية أخرى بعد انهيار المحور الإيراني، ورغبة بعض هذه الدول في الالتحاق بالنموذج السوري الجديد في إعادة الارتباط مع العالم، والتخلص من سياسة المحاور، والتحرر من قيود العقوبات، ورفض ممارسة حروب الوكالة عن إيران. وعليه، فإن أولوية سوريا، قبل التطلع إلى الدور الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط للعب دور اقتصادي استراتيجي، لا بد من ترابط سوريا مع جوارها الإقليمي في منطقة شرق المتوسط.

في منطقة شرق المتوسط هناك العديد من المصالح المترابطة، فالعراق بحاجة إلى موانئ على البحر المتوسط لتصدير النفط، وبحاجة للغذاء من سوريا، وسوريا بحاجة إلى ميناء طرابلس القريب من دمشق، والأردن بحاجة لسوريا من أجل تحقيق فوائد متعلقة برسوم الترانزيت العابر من أوروبا إلى الخليج العربي، وإنجاز مشاريع ربط أنابيب الغاز والنفط العابرة من الخليج إلى سوريا والمتوسط، والدول الثلاث بحاجة للصناعة السورية لتلبية احتياجات أسواقها المحلية.

 

الدائرة الثانية منطقة الشرق الأوسط والبحار الخمسة
وبناء عليه، فنحن بحاجة إلى شراكة أمنية واقتصادية وسياسية مع دول شرق المتوسط، كمقدمة لا بد منها كي نلعب دور الدولة الوسيطة كمعبر للطاقة والتجارة الدولية معاً، ولكي تنتقل سوريا من دور الوسيط الإقليمي إلى دور الوسيط الدولي.

إن سوريا المستقرة يمكن أن تشكل وحدها جزءاً من الحل لأزمة الطاقة والتجارة على المستوى الإقليمي في ظل أزمة مضيق هرمز، لكن حتى تنتقل من الدور الإقليمي للدور الدولي لا بد من الشراكة مع دول شرق المتوسط لبنان والأردن والعراق، خصوصاً عندما ينتقل الأمر لمشروع ربط البحار الأربعة الذي تحدث عنه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وهو ربط الخليج العربي، وبحر قزوين، والبحر الأبيض المتوسط، والبحر الأسود بشبكة من خطوط الطاقة والتجارة والسكك الحديدية والموانئ، بحيث يتحول هذا المشروع الإقليمي على مستوى الشرق الأوسط إلى جزء من المشاريع الاقتصادية الدولية.

 

الدائرة الثالثة  طرق التجارة الدولية
إن تحقيق الترابط الاقتصادي مع دول شرق المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط سيؤهل المنطقة وسوريا لكي تلعب دوراً مهماً في مد طرق التجارة الدولية، وعلى رأسها طريق التوابل الهندي وطريق الحرير الصيني. وهذا الدور لا يمكن أن تضطلع به سوريا من دون محيط مستقر ومترابط وجاهز من حيث البنية التحتية والتفاهمات السياسية والتنسيق الأمني، وهنا نقصد المحيط القريب.
وهذا الأمر إن تم، فإنه سيرشّح المنطقة للعب دور مهم في وقف الصراعات الإقليمية من حولنا على طرق التجارة، بحيث تحدد أدوار اللاعبين الدوليين من خلال الفاعل المحلي وليس العكس، والذهاب إلى معادلة «رابح-رابح» بدلاً من معادلة «رابح-خاسر»، التي ستدفع الخاسرين باستمرار إلى محاولة ضرب الاستقرار في المنطقة وإجهاض كل المشاريع التي يتم استبعادهم منها، طالما كانوا خارج نادي الرابحين، وسيتحول الصراع بين طريق الحرير وطريق التوابل الهندي إلى مشروع تكامل بدلاً من أن يكون مشروع تنافس وصراع.

 

التحديات
رغم الرغبة الدولية والإقليمية في أن تلعب سوريا هذا الدور على مستوى الأمن الطاقوي للمنطقة، فإن نجاح هذا المشروع مرهون بتجاوز عدد من التحديات الكبيرة.

 

*على رأس هذه التحديات الدور الإسرائيلي في هذا المشروع، وهل يمكن تجاوز إسرائيل في مثل هذا المشروع الاستراتيجي، وهل يمكن القبول بها من دون دفع كلفة السلام والاعتراف بالحقوق الفلسطينية والعربية؟

 

*كما يحتاج هذا المشروع إلى قناعة راسخة لدى العراق ولبنان بأن نمطاً جديداً من العلاقة مع سوريا يقوم على المصالح المشتركة، بعيداً عن الاحتشاد الطائفي والابتعاد عن المشروع الإيراني، سيحقق الاستقرار والرفاه لهذه الدول.

 

* وأخيراً، ما هو دور إيران في هذا المشروع، وهل يمكن أن تقبل إيران أن يتم احتواؤها بالشراكة مع دول المنطقة، بعيداً عن أحلام الهيمنة عبر الأذرع الميليشياوية التي تعبث بالأمن والاستقرار؟

 

الخاتمة
من الواضح أن تحقيق سوريا لأمنها الطاقوي مرتبط أساساً بإمكانية أن تلعب دوراً محورياً في أمن الطاقة الإقليمي والدولي، وهذا كله مرتبط أساساً بتحقيق شراكات وتفاهمات راسخة واستراتيجية مع محيطها القريب، خصوصاً مع لبنان والعراق، اللذين بدآ اتخاذ خطوة مهمة للخروج من دائرة النفوذ الإيراني.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالمسألة بحاجة إلى اتخاذ خطوات مهمة تجاه لبنان والعراق لتأسيس نمط جديد من العلاقة ينتقل من الشك والخوف سابقاً إلى تعزيز المصالح والثقة المتبادلة، عبر الإسراع في حل كل المشكلات العالقة مع البلدين، بحيث تنتقل العلاقة من مجرد تطمين الهواجس الأمنية إلى بناء ركائز المشروع الكبير.

 

 


img