المقدمة:
تمثل المرحلة الراهنة فرصة كبيرة أمام سورية للانتقال من إعادة تأهيل ما تضرر إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية واستدامة. فحجم احتياجات إعادة الإعمار لا يعكس عبئاً مالياً فحسب، بل يكشف أيضاً عن مجال واسع لإطلاق مشروعات استثمارية قادرة على تحديث البنية التحتية وتحفيز النمو وخلق فرص العمل، وهنا يبرز نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ولا سيما نموذج البناء والتشغيل والتحويل (BOT)، كأداة عملية لتعبئة رأس المال الخاص وتوجيهه نحو أولويات الاستثمار العام. ويتيح هذا النموذج الجمع بين الدور الاستراتيجي للدولة، وخبرة القطاع الخاص، وقدرته على التمويل والتنفيذ والتشغيل بكفاءة. كما يوفر رفع العقوبات والانفتاح الاقتصادي المتزايد بيئة أكثر ملاءمة لاستقطاب الاستثمارات والخبرات والتكنولوجيات الدولية إلى قطاعات الطاقة والنقل والموانئ والمناطق الصناعية. وتستند سورية في هذا المسار إلى إطار قانوني ومؤسسي قائم يمكن تطويره وتمكينه بما يسرع الانتقال من الفرص الاستثمارية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ والتمويل، إلا أن التحدي الأساسي لا يتمثل في محدودية فرص تطبيق BOT، بل في حسن اختيار المشروعات وتصميم عقود متوازنة تضمن توزيع المخاطر وتحقيق القيمة مقابل المال، وبذلك يمكن لنموذج BOT أن يتحول إلى أداة رئيسية لتمويل التعافي وإعادة الإعمار، وبناء شراكة تنموية طويلة الأجل تحقق العائد للمستثمر وتحمي المصلحة العامة في آن واحد.
على الرغم من التحديات الكبيرة التي يعاني منها الاقتصاد السوري نتيجة للصراع الذي استمر لـ 14 عاماً، إلا أن سورية تدخل مرحلة اقتصادية واعدة تتجاوز فيها أولوية الاستجابة للدمار المباشر إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء قاعدة إنتاجية وبنية تحتية حديثة قادرة على دعم التعافي والنمو المستدام لعقود قادمة. وتشير أحدث بيانات البنك الدولي إلى مؤشرات مشجعة على تحسن المسار الاقتصادي، حيث يلاحظ تراجع في معدل التضخم من 72.1% في عام 2024 إلى نحو 11.5% في عام 2025، مع توقعات بنمو حقيقي يتراوح بين 2% و4%، بالإضافة إلى التحسن الملموس في مؤشرات الربط الخارجي وحركة الموانئ والمطارات. وفي أحدث تقييم للأضرار وإعادة الإعمار، قام البنك الدولي بتقدير حجم فرصة الاستثمار في إعادة بناء الأصول المادية بنحو 216 مليار دولار، وبالتالي يمكن النظر إلى هذا الرقم ليس كعبء، وإنما كحجم سوق استثمارية ضخمة تنتظر من يستثمرها، إذ تشمل بحسب البنك الدولي 82 مليار دولار لمشروعات البنية التحتية وحدها، و75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمباني غير السكنية، ويوضح الجدول رقم (1) بناء على تقييمات البنك الدولي الحجم المحتمل للفرص الاستثمارية في سورية.
جدول (1): مؤشرات على حجم الفرص الاستثمارية المحتملة في سورية
| المؤشر | القيمة / الاتجاه |
| حجم فرصة الاستثمار المحتملة في إعادة الإعمار | 216 مليار دولار |
| فرصة استثمار البنية التحتية | 82 مليار دولار |
| فرصة استثمار المباني السكنية | 75 مليار دولار |
| فرصة استثمار المباني غير السكنية | 59 مليار دولار |
| اتجاه معدل التضخم | تراجع من 72.1% (2024) إلى 11.5% (2025) |
| توقعات النمو الحقيقي 2025 | تقديرات تتراوح بين 2%–4% |
| إنتاج النفط والغاز الوطني | ارتفاع من 20% إلى 88% (شباط 2026) |
| حالة العقوبات الدولية | رفع العقوبات مع إعادة اندماج مالي ومصرفي |
|
المصدر: البيانات مستندة إلى تقارير البنك الدولي World Bank 2025-2026 |
|
وتزداد جاذبية هذه الفرص في ضوء انفتاح دولي على سورية، إذ أدى الرفع للعقوبات الاقتصادية الدولية إلى تقليص مخاطر الامتثال أمام البنوك والمستثمرين والشركات الدولية، وفتح الباب عملياً أمام استئناف النشاط الاقتصادي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والخدمات والتجارة، بما يمنح سورية نافذة لجذب رؤوس أموال كانت ممتنعة عن الدخول لسنوات طويلة. وبناء على ذلك يبرز نموذج BOT كأداة طبيعية ومناسبة التوقيت لتحويل هذه الفرص إلى مشروعات تنفيذية، وبذلك يتيح للحكومة السورية استقطاب رؤوس الأموال الخاصة المحلية والإقليمية والدولية لإنجاز مشروعات استراتيجية كبرى، مع الاستفادة من الكفاءة الإدارية والتكنولوجية المتقدمة للقطاع الخاص. وتزداد مصداقية هذا المسار مع تأكيد بعثة صندوق النقد الدولي في شباط/فبراير 2026 على تحسن النشاط الاقتصادي وثقة المستهلكين والمستثمرين. وبالتالي يمكن أن يكون BOT أداة مهمة وفعالة لتعبئة رأس المال الخاص وتمويل جزء كبير من الاستثمار العام في سورية، وستزداد فعاليته كلما اتبعت معايير واضحة ومدروسة للجدوى الاقتصادية والمالية وتوزيع المخاطر، وهي معايير قابلة للتطبيق تماماً في ظل الأدوات التحليلية المتاحة اليوم دولياً.
تجتمع اليوم في الحالة السورية مجموعة من العوامل الإيجابية المتزامنة تجعل من توقيت اعتماد نموذج BOT فرصة استراتيجية من الممكن اغتنامها.
لم يعد التمويل الدولي حكراً على المنح والمساعدات الطارئة، فلقد أقر البنك الدولي بالفعل منحة بقيمة 146 مليون دولار في حزيران/يونيو 2025 لتحسين إمدادات الكهرباء ودعم تطوير القطاع، تلتها منحة ثانية بقيمة 20 مليون دولار في آذار/مارس 2026 لتعزيز إدارة المالية العامة والمشتريات والشفافية والرقمنة، وهذا يعكس نمط متصاعد من الثقة المؤسسية الدولية والذي يمهد الطريق مباشرة أمام مشروعات BOT الكبرى ويرفع من قابليتها للتمويل.
يمثل قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة الفرصة الأكثر نضجاً وجاهزية، فالتوليد يمكن أن يرتبط بعقود شراء طويلة الأجل وتدفقات مالية يمكن نمذجتها بثقة عالية، وقد أرسى الدعم المؤسسي القائم فعلاً من البنك الدولي أساساً متيناً يمكن البناء عليه لجذب مستثمرين من القطاع الخاص في التوليد والنقل، مع فرص واعدة بالمثل في الموانئ والمطارات والمناطق الصناعية التي تتمتع بإمكانية مرتفعة لتوليد إيرادات مباشرة ومستقرة.
لا تنطلق سورية من فراغ تشريعي، فقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم 5 لعام 2016 يوفر مظلة قانونية معترفاً بها دولياً إلى جانب وحدة حكومية متخصصة تعنى بالشراكة بين القطاع العام والخاص، وهذا يعني وجود بنية مؤسسية جاهزة يمكن تعزيزها وتمكينها بسرعة بدلاً من البدء من الصفر، مما يؤدي إلى تقليص زمن الوصول إلى مشروعات BOT فعلية بصورة كبيرة.
يشكل التزام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بدعم تطوير أدوات إدارة الدين العام وتحليل الاستدامة المالية، إلى جانب مشروع تعزيز الشفافية والرقمنة والرقابة على الموازنة، إشارة قوية إلى أن سورية تبني بالتوازي البنية التحتية المؤسسية اللازمة لإدارة محفظة PPP بكفاءة عالية، بما يمنح المستثمرين ثقة متزايدة في استقرار العلاقة التعاقدية طويلة الأجل.
طور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي معاً نموذج تقييم المخاطر المالية للشراكات (PFRAM)، وهو أداة تحليلية مجربة وموثوقة عالمياً تتيح لسورية تقييم أي مشروع BOT بمعايير دولية، دون الحاجة لتطوير أدوات جديدة من الصفر، مما يقلص زمن الإعداد ويرفع من جودة القرار الاستثماري.
لا حاجة لأن تعتمد سورية على مصدر تمويلي واحد، فبإمكانها استخدام مواردها العامة المحدودة بذكاء لا لتمويل كامل المشروعات، بل لتخفيف مخاطرها وجذب أضعاف من رأس المال الخاص عبر التمويل المختلط، وهو نهج أثبت نجاحه في سياقات ما بعد الصراعات المماثلة عبر الجمع بين استراتيجيات بقيادة الدولة وأخرى يقودها القطاع الخاص.
تندرج عقود البناء–التشغيل–النقل (BOT) ضمن الأشكال المتخصصة للشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) إذ يتولى القطاع الخاص تطوير الأصل وتمويله وتشغيله خلال فترة تعاقدية محددة، ثم ينقل الأصل إلى الجهة العامة بحالة فنية جيدة عند انتهاء العقد، وهي آلية تمنح الدولة أصولاً حديثة ومدارة باحترافية دون أن تتحمل عبء التمويل والتشغيل المباشر. ويقوم الهيكل التشغيلي للنموذج على ثلاث مراحل واضحة ومجربة عالمياً: البناء حيث تحشد شركة المشروع الخاصة التمويل عبر آليات تمويل المشروعات المعتمدة على التدفقات النقدية المستقبلية. والتشغيل حيث يدير القطاع الخاص المرفق لفترة تتراوح بين 20 و30 عاماً مستفيداً من رسوم الاستخدام أو دفعات التوافر. والتحويل حيث تنتقل الملكية الكاملة إلى الدولة.
جدول (2): القيمة المضافة لنموذج BOT مقارنة بالتنفيذ الحكومي التقليدي
| البعد | التنفيذ الحكومي التقليدي | القيمة المضافة لنموذج BOT |
|
التمويل الأولي |
الموازنة العامة / الاقتراض السيادي |
تعبئة رأس مال خاص وتمويل مصرفي أو مؤسسي لتمويل المشروع، مع ضرورة احتساب المدفوعات الحكومية والالتزامات الطارئة ضمن التحليل المالي العام. |
| الإنشاء والتشغيل | الدولة أو المتعهد | خبرة عالمية متخصصة لشركة المشروع |
| توزيع المخاطر | تتحمل الدولة حصة كبيرة منها | توزيع تعاقدي مدروس يخفف العبء عن الدولة |
| مصدر استرداد الاستثمار | الموازنة العامة فقط | مصادر متنوعة: مستخدمون ومدفوعات حكومية |
| ملكية الأصل النهائية | عامة طوال الوقت | أصل حديث ينتقل للدولة بحالة ممتازة |
| أفق العلاقة | قصير نسبياً | شراكة استراتيجية طويلة الأمد (20–30 عاماً) |
|
المصدر: تم إعداد البيانات استناداً إلى World Bank PPP Reference Guide وYescombe & Farquharson (2018). |
||
توضح الأدبيات النظرية في الاقتصاد العام أن القيمة الحقيقية لنموذج BOT لا تكمن في كونه لا يكلف الموازنة، بل في قدرته على إعادة توزيع المخاطر بكفاءة أعلى بين الدولة والقطاع الخاص، فحين يصمم العقد الأمثل بعناية عبر موازنة دقيقة بين مخاطر الطلب والتشوهات الناجمة عن رسوم الاستخدام وتكلفة الفرصة البديلة للأموال العامة، يمكن لآليات مثل ضمانات الحد الأدنى من الإيرادات المقترنة بسقف أعلى أن تحقق كفاءة اقتصادية حقيقية للطرفين معاً. كما تبين الدراسات المتخصصة أن نجاح التمويل المختلط للبنية التحتية ممكن تماماً عندما يوازن التصميم بذكاء بين استرداد كلفة الخدمة والشمول الاجتماعي، عبر مزيج مدروس من تسعير الخدمة والدعم الحكومي الموجه، وهو ما يمنح سورية مساحة واسعة لتصميم عقود تراعي القدرة الشرائية دون التضحية بجاذبية المشروع للمستثمرين.
وبالنسبة لسورية، فإن هذا الأساس يفتح مساراً واضحاً للنجاح إذ يكفي التركيز على تحويل المشروعات ذات الأولوية إلى مشروعات قابلة للتمويل (Bankable Projects) أي مشروعات تمتلك نموذج إيرادات واضحاً وتدفقات نقدية يمكن التنبؤ بها بدرجة معقولة، وهي معايير قابلة للتحقق عملياً في عدد كبير من القطاعات الواعدة، والميزة الحقيقية لـ BOT هي أنها تمنح سورية القدرة على تحويل حاجتها الملحة للبنية التحتية إلى فرصة استثمارية جاذبة عالمياً، عبر تصميم عقود ذكية تجمع بين كفاءة القطاع الخاص وحماية المصلحة العامة، وهو مسار نجحت فيه اقتصادات عديدة خرجت من ظروف مشابهة.
تمتلك سورية اليوم مجموعة واسعة من القطاعات ذات الجاذبية الاستثمارية العالية، ويمكن ترتيب أولويات التطبيق عبر إطار تحليلي واضح يضمن البدء بالفرص الأكثر نضجاً.
يمكن اعتماد ستة أبعاد رئيسية لترتيب المشروعات بحسب جاهزيتها الاستثمارية، بأوزان تحليلية استرشادية، ويوضح الجدول رقم (3) الإطار المقترح لأولويات المشروعات الواعدة في سورية لنظام BOT.
جدول (3): إطار مقترح لتحديد أولوية المشروعات الواعدة في سورية لنظام BOT
| البُعد | السؤال التحليلي | الوزن المقترح |
| الأولوية الاقتصادية والاجتماعية | هل المشروع ذو أثر مرتفع على التعافي والنمو؟ | 20% |
| الإيرادات | هل يمتلك المشروع تدفقات نقدية قابلة للتنبؤ؟ | 20% |
| القابلية للتمويل (Bankability) | هل يستطيع جذب مستثمرين وممولين؟ | 20% |
| المخاطر | هل يمكن توزيع المخاطر وإدارتها تعاقدياً؟ | 15% |
| البيئة المؤسسية والتنظيمية | هل تستطيع الدولة إدارة العقد والرقابة عليه؟ | 15% |
| القيمة مقابل المال (VfM) | هل يحقق BOT قيمة أفضل من التنفيذ العام؟ | 10% |
| المجموع | — | 100% |
|
ملاحظة: الأوزان أعلاه تمثل إطاراً تحليلياً مقترحاً، ويمكن تطويرها بعد اختبارها على مشروعات نموذجية أولى (Quick Wins). |
||
تشير بيانات إعادة الإعمار إلى أن البنية التحتية تمثل أكبر فرصة استثمارية منفردة بتقدير يبلغ نحو 82 مليار دولار بحسب البنك الدولي. ويمكن ترتيب القطاعات وفق جاهزيتها الفعلية على النحو التالي:
جدول (4): خارطة أولية للفرص القطاعية الواعدة في سورية
| القطاع | أولوية التعافي | إمكانية الإيرادات | جاهزية الفرصة | أبعاد إيجابية |
| الكهرباء والطاقة | مرتفعة جداً | مرتفعة نسبياً | جاهزة / رائدة | دعم مؤسسي دولي قائم بالفعل |
| الطاقة المتجددة | مرتفعة | مرتفعة نسبياً | جاهزة | عقود شراء طاقة (PPA) مجربة عالمياً |
| الموانئ | مرتفعة | مرتفعة | جاهزة | إيرادات تشغيلية مباشرة وسريعة |
| المناطق الصناعية | مرتفعة | مرتفعة | جاهزة | رسوم وخدمات وتأجير مستقرة |
| المطارات | مرتفعة | مرتفعة | واعدة | تنمو مع عودة حركة السفر والتجارة |
| الطرق | مرتفعة | متوسطة | واعدة | نماذج رسوم مبتكرة قابلة للتصميم |
| النفايات (إعادة التدوير) | مرتفعة | متوسطة | واعدة | نماذج رسوم خدمة قابلة للتطوير |
| النقل العام | مرتفعة | منخفضة / متوسطة | تستحق تصميماً مبتكراً | إمكانية مدفوعات أداء حكومية |
| الإسكان | مرتفعة | مرتفعة | واعدة وانتقائية | نموذج تعاقدي مرن للقدرة الشرائية |
|
ملاحظة منهجية: تصنيف تحليلي استرشادي تم إعداده بالاستناد إلى الإطار النظري العام للشراكة بين القطاعين العام والخاص (Yescombe & Farquharson, 2018)، ولا يمثل تصنيفاً رسمياً معتمداً من أي جهة مؤسسية. يوصى بالتحقق من كل تقدير عبر دراسة جدوى مستقلة قبل اعتماده في القرار الاستثماري. |
||||
وتبرز الطاقة كقاطرة طبيعية لانطلاق البرنامج، فقد استعادت الحكومة في شباط/فبراير 2026 بحسب البنك الدولي السيطرة على مناطق رئيسية لإنتاج النفط والغاز، رافعة حصتها من الإنتاج الوطني من نحو 20% إلى 88%، بينما دعم البنك الدولي القطاع فعلياً بمنحة 146 مليون دولار لتحسين إمدادات الكهرباء، وهي مؤشرات قوية على أن القطاع أصبح جاهزاً لاستقبال أولى مشروعات BOT الرائدة. أما قطاع النقل فرغم حاجته إلى تصميم تعاقدي مبتكر يوازن بين استرداد الكلفة والشمول الاجتماعي، فإنه يمثل فرصة واعدة تماماً عبر نموذج PPP القائم على مدفوعات حكومية مقابل توافر الخدمة والأداء، وهو نهج نجح في العديد من التجارب الدولية المماثلة.
يساعد التمييز بين الأولوية العامة والجدوى التجارية والقابلية للتمويل (Bankability) على توجيه كل مشروع نحو النموذج التمويلي الأنسب له من البداية، بدلاً من محاولة فرض نموذج واحد على جميع المشروعات، فالاستثمار الخاص يبحث عن تدفقات نقدية ومخاطر قابلة للإدارة، بينما تبحث الدولة عن منفعة عامة وقيمة مقابل المال، والتصميم الذكي للشراكة هو الذي يحقق التقاطع الأمثل بين الهدفين لكل قطاع على حدة.
كأي أداة تمويلية استراتيجية، يواجه تطبيق BOT في سورية بعض التحديات، لكنها تحديات يمكن معالجتها وقابلة للإدارة بوجود التصميم التعاقدي السليم والإرادة المؤسسية، وليست عوائق تحول دون النجاح. وتظهر التجربة الدولية أن معظم هذه التحديات عولجت بنجاح في سياقات مشابهة عبر أدوات مجربة ومتاحة اليوم لسورية، ويوضح الجدول رقم (5) التحديات الأساسية وطرق معالجتها الممكنة.
جدول (5): التحديات الرئيسية ومسارات معالجتها
| التحدي | الأثر إن لم يدار | مسار المعالجة المتاح |
| تقلبات سعر الصرف | ارتفاع تكلفة الدين والمعدات | فهرسة الإيرادات وآليات تحوط مالي مجربة دولياً |
| تقدير الطلب | تفاوت في الإيرادات المتوقعة | دراسات طلب دقيقة وتقاسم مدروس للمخاطر |
| تكلفة رأس المال | ارتفاع العائد المطلوب من المستثمر | ضمانات ائتمانية وتمويل تنموي مكمل |
| استقرار الإطار التنظيمي | حاجة لبناء ثقة تدريجية | إطار قانوني واضح وقابل للتطوير بما يواكب متطلبات BOT |
| تصميم التعرفة | ضرورة موازنة الكلفة مع القدرة الشرائية | آلية تسعير اجتماعية مدروسة ومرنة |
| القدرة المؤسسية | حاجة لتسريع بناء الخبرة | دعم فني نشط من البنك الدولي وصندوق النقد |
| الالتزامات الحكومية الطارئة | ضرورة رصدها بدقة | أداة PFRAM الجاهزة والموثوقة دولياً |
| الحوكمة والشفافية | حاجة لتعزيز الثقة | مناقصات تنافسية إلزامية ورقابة مستقلة معززة |
|
المصدر: تم إعداد البيانات استناداً إلى World Bank et al. (2017)، وIMF & World Bank (2019)، وTransparency International (2026). |
||
وتجدر الإشارة هنا أيضاً إلى أن الإطار النظري في اقتصاديات المال العام يقدم حلولاً للعديد من التحديات، كتصميم عقود قائمة على ضمانات إيرادات دنيا مقترنة بسقوف عليا، بحيث تتحقق كفاءة اقتصادية حقيقية للطرفين معاً دون تحميل الموازنة التزامات غير محسوبة. أما على صعيد الحوكمة، فإن التقدم مستمر بالفعل، إذ تحرز سورية تحسناً تدريجياً في مؤشرات الحوكمة الدولية، وتفتح الإصلاحات القانونية الجارية بما فيها المرسوم الرئاسي رقم 114 لعام 2025 المعدل لقانون الاستثمار مساحة حقيقية لمزيد من الشفافية والاستقرار التنظيمي كلما تعمق التنفيذ، وبالتالي هو مسار إصلاحي طبيعي تمر به معظم الاقتصادات في مراحل التحول المبكرة. وبالخلاصة لا يوجد تحد من التحديات المذكورة أعلاه يفتقر إلى حل مجرب دولياً وهو متاح لسورية اليوم للاستفادة منه ومعالجة هذه التحديات، فالأدوات التحليلية والمؤسسية والتعاقدية اللازمة لإدارة هذه المخاطر بكفاءة موجودة وجاهزة للاستخدام.
لتحويل الفرص القائمة إلى نتائج ملموسة، يمكن اقتراح خارطة طريق مرحلية تبني الثقة تدريجياً بين الدولة والمستثمرين، بما ينسجم مع تقييم صندوق النقد الدولي الذي أشار إلى وجود مشروعات استثمارية مع القطاع الخاص، مع التأكيد على أهمية دور استباقي لوزارة المالية في تقييمها وإدارتها.
لا تبدأ سورية من فراغ في بناء إطار مؤسسي للشراكة بين القطاعين العام والخاص، فقد راكمت سابقاً خبرة مؤسسية وقانونية في هذا المجال، شملت إنشاء وحدة مركزية للتشاركية، وإقرار القانون رقم 5 لعام 2016 الذي أسس لمكتب التشاركية لدى هيئة التخطيط. ويمكن البناء على هذا البعد المؤسسي وتحديثه بما يتلاءم مع متطلبات التعافي وإعادة الإعمار والتحول الاقتصادي، وبما يضمن شفافية التعاقد، وكفاءة تخصيص الموارد، وتوزيع المخاطر بصورة عادلة بين القطاعين العام والخاص، وتجدر الإشارة هنا إلى أن البنك الدولي ما زال يصنف سورية ضمن الدول التي لديها PPP Unit.
يمكن لسورية أن تحول مشروعات BOT إلى أصل استراتيجي لإدارة المالية العامة، لا مجرد بند خارج الموازنة، عبر تقييم مالي مسبق واضح يحدد حجم الالتزامات والضمانات المطلوبة والأثر المحتمل على الاستدامة المالية، وهو نهج ينسجم تماماً مع أولوية صندوق النقد الدولي لتعزيز إدارة المالية العامة والدين في سورية. ويمثل مشروع البنك الدولي بقيمة 20 مليون دولار، الذي أقره مجلس المديرين التنفيذيين في آذار/مارس 2026 لتعزيز الرقابة على الموازنة والشفافية والرقمنة، دعامة مؤسسية جاهزة بالفعل لإدارة محفظة PPP باحترافية عالية.
يمكن اعتماد بوابة فحص واضحة للمشروعات (Project Screening Gateway) تسرع الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ الفعلي عبر مراحل متسلسلة، وتساعد هذه البوابة على توجيه الموارد نحو المشروعات الأكثر جاهزية أولاً، بما يعظم فرص النجاح المبكر ويبني الثقة اللازمة لتوسيع البرنامج تدريجياً. وتوفر البوابة إطاراً موحداً لتقييم المشروعات وفق مجموعة من المعايير الفنية والاقتصادية والمالية والمؤسسية، بما يسمح باستبعاد المشروعات غير الجاهزة أو إعادة تطويرها قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً. كما تساعد المراحل المتدرجة في تحديد نقاط القرار بوضوح، وتوجيه الدعم الفني والمالي بحسب مستوى جاهزية كل مشروع، بما يقلل مخاطر الاستثمار ويحسن كفاءة تخصيص الموارد، ويوضح الشكل رقم (1) التسلسل المقترح لعملية فحص المشروعات، بدءاً من استقبال الأفكار والمقترحات، مروراً بالتقييم الأولي والفني والاقتصادي والمالي، وصولاً إلى تحديد المشروعات المؤهلة للانتقال إلى مرحلة التنفيذ أو التمويل. ويعكس هذا التسلسل مبدأ التدرج في اتخاذ القرار، بحيث لا تنتقل المشروعات إلى المرحلة التالية إلا بعد استيفاء معايير الجاهزية المحددة.

يستند الإطار القانوني السوري القائم إلى قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم 5 لعام 2016، وهو أساس يمكن تطويره بخطوات عملية واضحة من حيث توحيد قواعد المنافسة والشفافية، وتحديد حقوق المستثمر والممول بدقة، وتعزيز آليات التحكيم وتسوية النزاعات، بما يبني ثقة متصاعدة لدى المستثمرين الدوليين مع كل خطوة تطوير. وتشير التحليلات المتخصصة إلى أن استمرار تطوير استقلالية القضاء والتحكيم، إلى جانب الإصلاحات الجارية بموجب المرسوم الرئاسي رقم 114 لعام 2025، سيعزز تدريجياً من جاذبية البيئة الاستثمارية السورية. ويكتسب المرسوم أهمية خاصة في هذه المرحلة باعتباره جزءاً من مسار إعادة تنظيم البيئة المؤسسية والقانونية، بما يدعم وضوح الأدوار والصلاحيات ويعزز قابلية التنبؤ بالقرارات الاستثمارية. ومن شأن مواءمة أحكامه مع إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص أن توفر أساساً أكثر اتساقاً لحماية حقوق الأطراف وتقليل المخاطر التعاقدية.
يمكن اعتماد مسار عملي ومتدرج يبني النجاح خطوة بخطوة، بدءاً من المشروعات الأكثر نضوجاً، وكل مشروع ينجز بنجاح ضمن هذا المسار يصبح نموذجاً مرجعياً (Reference Case) يسرع اعتماد المشروعات، وينشئ حلقة إيجابية متصاعدة من الثقة والزخم الاستثماري. ويقوم هذا المسار على البدء بعدد محدود من المشروعات ذات الجاهزية الفنية والمالية والقانونية، ثم تقييم نتائجها واستخلاص الدروس قبل توسيع نطاق التطبيق. كما يتيح هذا النهج اختبار كفاءة الأطر المؤسسية والتعاقدية وآليات التمويل وتقاسم المخاطر في بيئة عملية، بما يقلل مخاطر التوسع السريع ويعزز ثقة المستثمرين والممولين، ويوضح الشكل رقم (2) المراحل المتتابعة للمسار، بدءاً من تحديد المشروعات وفحص جاهزيتها، ثم إعدادها وتقييمها، مروراً بالطرح والتعاقد والتنفيذ، وصولاً إلى التشغيل والتقييم واستخلاص الدروس. وتسمح نتائج المشروعات الأولى الناجحة بتحسين النماذج والإجراءات للمشروعات اللاحقة، بحيث يتحول كل مشروع ناجح إلى مرجع عملي يخفض من عدم اليقين ويرفع مستوى الثقة، ويمهد للانتقال من المشاريع التجريبية المحدودة إلى محفظة أوسع وأكثر استدامة من مشروعات PPP وBOT.

يمكن لسورية أن تعظم أثر مواردها العامة والتنموية المحدودة من خلال تبني استراتيجية التمويل المختلط (Blended Finance)، التي تجمع بين التمويل العام والتنموي، ورأس المال الخاص، والتمويل المصرفي، إلى جانب الضمانات وأدوات تخفيف المخاطر. ويتيح هذا النهج استخدام الموارد العامة بصورة استراتيجية لتقليل المخاطر الأولية للمشروعات وتحسين قابليتها للتمويل، بدلاً من تحمل الدولة كامل تكاليف الاستثمار، بما يساعد على تعبئة رأس مال خاص إضافي وتوسيع قاعدة التمويل المتاحة للتعافي وإعادة الإعمار. وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة في الحالة السورية بالنظر إلى محدودية الحيز المالي العام وحجم احتياجات إعادة الإعمار، فقد قدر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق تقديري يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، وهذا يعكس حجم الاحتياجات الاستثمارية. ولا يقتصر دور التمويل المختلط على توفير الموارد المالية، بل يوفر آلية لتوزيع المخاطر بين الدولة والجهات التنموية والمستثمرين والممولين، من خلال أدوات مثل الضمانات، والتمويل الميسر، والدعم الأولي لإعداد المشروعات، وآليات تقاسم المخاطر. وقد أشار البنك الدولي ضمن أولويات التعافي وإعادة الإعمار إلى أن آليات التمويل المختلط يمكن أن تساعد في تهيئة بيئة مواتية لتعبئة رأس المال الخاص، مع إمكانية مشاركة القطاع الخاص في إنشاء وتشغيل وصيانة مشروعات البنية التحتية. وفي هذا الإطار يمكن أن يمثل BOT أحد النماذج التعاقدية القابلة للاستخدام ضمن منظومة أوسع لتعبئة رأس المال الخاص، ولا سيما في مشروعات البنية التحتية القادرة على توليد إيرادات مستقرة. إلا أن نجاح هذا النموذج يتطلب اختيار المشروعات وفق معايير واضحة للجدوى الاقتصادية والمالية، إلى جانب وجود إطار مؤسسي وتعاقدي قادر على توزيع المخاطر بصورة عادلة، وحماية حقوق الأطراف، وضمان الشفافية والمساءلة. وعليه ينبغي النظر إلى 216 مليار دولار ليس باعتبارها فجوة تمويلية يتعين على الدولة سدها، وإنما باعتبارها مؤشراً على حجم الطلب الاستثماري المرتبط بإعادة الإعمار. ومن خلال تطوير محفظة من المشروعات القابلة للتمويل، واستخدام الموارد العامة والتنموية بصورة محفزة، يمكن تحويل جزء من هذه الاحتياجات إلى فرص استثمارية قابلة للتنفيذ، بما يتيح الانتقال تدريجياً من الاعتماد على التمويل العام إلى نموذج أكثر تنوعاً يجمع بين التمويل العام، والتمويل التنموي، ورأس المال الخاص، والاستثمار المؤسسي. ويوضح الشكل رقم (3) أن دور التمويل العام لا يتمثل بالضرورة في تمويل المشروع بالكامل، وإنما في استخدام جزء من الموارد العامة والتنموية لتقليل المخاطر وتهيئة الظروف التي تسمح بتعبئة موارد خاصة أكبر، وبذلك يتحول التمويل المختلط من أداة لتمويل مشروع منفرد إلى آلية لبناء محفظة استثمارية تدريجية تدعم التعافي وإعادة الإعمار وتوسع مشاركة القطاع الخاص.

تمثل فجوة إعادة الإعمار في سورية فرصة استثمارية، وهذا ما يستدعي استخدام أدوات مبتكرة مثل BOT. وتجتمع اليوم في سورية عوامل مساعدة تتمثل برفع العقوبات الدولية، وانخراط مؤسسي نشط ومتصاعد من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتحسن ملموس وقابل للقياس في المؤشرات الكلية، وإطار قانوني ومؤسسي قائم بالفعل، وأدوات تحليلية عالمية جاهزة للاستخدام. كما ويوضح الأساس النظري في اقتصاديات المال العام أن القيمة الحقيقية لـ BOT تكمن في قدرته على إعادة توزيع المخاطر بكفاءة أعلى بين الدولة والقطاع الخاص، وهو ما يمنح سورية فرصة صياغة عقود ذكية تحقق كفاءة اقتصادية حقيقية للطرفين معاً. وبالتالي يمكن لسورية البدء بالمشروعات الأكثر نضجاً، وفي مقدمتها الطاقة والموانئ والمناطق الصناعية، ثم توسيع البرنامج تدريجياً مع كل نجاح مبكر، مستفيدة من محفظة انتقائية مدروسة، وإدارة مركزية ذكية للمخاطر عبر أدوات محكمة كـ PFRAM، وشفافية متصاعدة في الطرح، وإطار قانوني وتعاقدي يتطور خطوة بخطوة نحو مزيد من الثقة والاستقرار. وبذلك يمكن لنموذج BOT أن يتحول إلى محرك حقيقي لإعادة هيكلة تمويل الاستثمار العام وتعبئة رأس المال الخاص لدعم التعافي الاقتصادي، ضمن استراتيجية تمويل مختلطة أوسع تجمع الموارد العامة والتنموية والخاصة معاً، لتصبح سورية تدريجياً نموذجاً يحتذى في التعافي الاقتصادي القائم على الشراكة الذكية بين القطاعين العام والخاص.
د. وائل أحمد