الكاتب: د. وائل أحمد
باحث اقتصادي
المقدمة: رأس المال البشري محور التحول التكنولوجي
مع تطور الأدبيات الاقتصادية شهدت تحولاً في تفسير مصادر النمو الاقتصادي، فلم تعد الثروات الطبيعية أو رأس المال المادي تمثل العامل الحاسم في تحقيق التنمية المستدامة فقط، بل أصبح رأس المال البشري يشكل المحرك الأساسي للإنتاجية والابتكار والقدرة التنافسية للدول، وأسست نظرية رأس المال البشري التي قدمها بيكر Becker لهذا التحول من خلال تأكيدها أن الاستثمار في التعليم والتدريب لا يعد إنفاقاً استهلاكياً، وإنما استثماراً طويل الأجل ينعكس على زيادة إنتاجية الأفراد والمؤسسات والاقتصاد الوطني بأكمله. كما وسعت نماذج النمو الداخلي التي طورها كل من لوكاس Lucas ورومر Romer هذا المفهوم، حيث بينت أن تراكم المعرفة والمهارات البشرية لا يؤدي إلى تحسين الأداء الاقتصادي الحالي، بل يولد آثاراً تراكمية مستمرة تدعم الابتكار والتقدم التكنولوجي.
وبالتالي تكتسب هذه القضية أهمية في الاقتصادات الخارجة من الصراعات، ومنها سوريا حيث لا تقتصر التحديات على إعادة بناء البنية التحتية أو استعادة النشاط الاقتصادي فحسب، وإنما تمتد إلى إعادة بناء قدرات الموارد البشرية التي تعرضت للاستنزاف. فالاقتصاد الحديث يقوم على المعرفة، ولا يمكن لأي دولة أن تحقق تحولاً إنتاجياً حقيقياً إذا كانت تفتقر إلى الموارد البشرية القادرة على استيعاب التكنولوجيا وتطويرها، ولذلك فإن توطين التكنولوجيا لا ينبغي النظر إليه باعتباره عملية استيراد للمعدات أو البرمجيات، بل باعتباره مشروعاً استراتيجياً لإعادة بناء الإنسان السوري وتأهيله ليصبح المنتج الحقيقي للمعرفة والقيمة المضافة.
من المهم التمييز بين مفهومي نقل التكنولوجيا وتوطين التكنولوجيا، إذ يقصد بنقل التكنولوجيا عملية انتقال المعارف التقنية والمهارات والخبرات والأساليب التنظيمية والابتكارات من دولة أو مؤسسة إلى أخرى عبر وسائل متعددة، مثل الاستثمار الأجنبي، واتفاقيات الترخيص، والشراكات الصناعية، والتعاون البحثي، وبرامج التدريب، بما يمكن الطرف المستقبل من استخدام هذه التقنيات في عملياته الإنتاجية والخدمية. غير أن الأدبيات التنموية تؤكد أن نقل التكنولوجيا على الرغم من أهميته لا يضمن تحقيق التنمية الاقتصادية أو بناء القدرات الوطنية، إذا اقتصر على استيراد المعدات أو البرمجيات دون تنمية المهارات والخبرات المحلية اللازمة لاستيعابها وتطويرها.
أما توطين التكنولوجيا، فيمثل مرحلة تتجاوز مجرد نقل المعرفة التقنية إلى بناء قدرة وطنية على استيعاب التكنولوجيا المنقولة، وتكييفها بما يتلاءم مع الظروف المحلية، ثم تطويرها تدريجياً وإنتاج معرفة تقنية محلية تتيح الانتقال من مرحلة الاستخدام والاستهلاك إلى مرحلة الإبداع والابتكار والإنتاج، ويحتاج ذلك توافر رأس مال بشري مؤهل، ومؤسسات تعليمية وبحثية فعالة، وبيئة مؤسسية تشجع التعلم والابتكار ونقل المعرفة داخل الاقتصاد الوطني، ومن هذا المنطلق فإن نجاح سياسات توطين التكنولوجيا لا يقاس بعدد التقنيات المستوردة أو حجم الاستثمارات التكنولوجية، وإنما بقدرة الدولة على تحويل هذه التكنولوجيا إلى معرفة متراكمة وكفاءات وطنية تدعم الإنتاجية والتنافسية وتؤسس لتنمية اقتصادية مستدامة.
العلاقة بين رأس المال البشري وتوطين التكنولوجيا:
أشارت الأدبيات الاقتصادية والتجارب المتعلقة بالتنمية الصناعية إلى وجود علاقة بين رأس المال البشري والقدرة على توطين التكنولوجيا. فالتكنولوجيا لا تحقق آثارها الاقتصادية بصورة تلقائية بمجرد استيرادها، وإنما تعتمد فعاليتها على مستوى المهارات والمعارف المتوافرة لدى القوى العاملة، ويؤكد البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن الفجوة الإنتاجية بين الدول أصبحت ترتبط بدرجة أكبر بمقدار الفجوة في القدرات البشرية والمؤسسية أكثر من ارتباطها بإمكانية الوصول إلى المعدات أو البرمجيات المتقدمة. وفي هذا السياق تبرز نظرية القدرة الاستيعابية، والتي ترى أن المؤسسات والدول لا تستطيع الاستفادة من التكنولوجيا الخارجية إلا إذا امتلكت قاعدة معرفية محلية تسمح بفهم المعرفة الجديدة واستيعابها وتطويرها، ولذلك فإن الاستثمار في رأس المال البشري لا يقتصر على تحسين فرص التوظيف، بل يمثل الشرط الأساسي لتحويل التكنولوجيا المستوردة إلى مصدر للإنتاجية والابتكار.
وتؤكد التجارب الآسيوية ولا سيما في كوريا الجنوبية وسنغافورة، أن نجاح سياسات نقل وتوطين التكنولوجيا لم يكن قائماً على استيراد التقنيات فحسب، وإنما على الاستثمار المكثف في التعليم التقني والبحث العلمي، وهو ما مكنها من الانتقال تدريجياً من مرحلة تقليد التكنولوجيا إلى مرحلة تطويرها وإنتاجها محلياً. وتوضح هذه الخبرات أن القيمة الحقيقية للتكنولوجيا لا تكمن في المعدات ذاتها، وإنما في المعرفة التي يمتلكها الأفراد القادرون على تشغيلها وتحسينها وتكييفها مع احتياجات الاقتصاد الوطني.
التحدي السوري في بناء رأس المال البشري:
يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى أن خسارة رأس المال البشري تمثل إحدى أكبر التحديات التي تواجه الدول الخارجة من الصراعات، نظراً لأن إعادة بناء البنية المادية يمكن أن تتم خلال سنوات، بينما يحتاج تعويض الفجوات في المهارات والخبرات إلى فترات زمنية أطول واستثمارات مستمرة، ويواجه الاقتصاد السوري تحديات كبيرة في مجال بناء رأس المال البشري نتيجة التأثيرات الممتدة للصراع، والتي انعكست على مختلف مكونات النظام التعليمي وسوق العمل. فقد أدى تضرر المؤسسات التعليمية، وانخفاض جودة التعليم، وتراجع فرص التدريب المهني، إلى إضعاف عملية تكوين المهارات اللازمة للاقتصاد. كما أسهمت هجرة الكفاءات العلمية والمهنية في فقدان نسبة مهمة من الخبرات المتخصصة، الأمر الذي انعكس سلباً على قدرة المؤسسات الإنتاجية على مواكبة التطورات التكنولوجية، إلا أن هذه التحديات لا تلغي وجود فرص حقيقية يمكن البناء عليها، فالمجتمع السوري يمتلك قاعدة واسعة من الشباب، وهي فئة تتميز بقدرة مرتفعة على التعلم واكتساب المهارات. كما أن الانتشار النسبي لاستخدام التقنيات الرقمية ومنصات التعليم الإلكتروني خلال السنوات الأخيرة أوجد فرصاً جديدة لتطوير المهارات خارج الأطر التعليمية التقليدية، ويضاف إلى ذلك وجود خبرات سورية كبيرة في دول المهجر، يمكن أن تسهم في نقل المعرفة والتدريب عن بعد وبناء شبكات تعاون علمي وتقني مع المؤسسات المحلية، بما يعزز عملية إعادة بناء رأس المال البشري.
كيف يخدم توطين التكنولوجيا بناء الكفاءات؟:
لا يقتصر توطين التكنولوجيا على نقل المعرفة الفنية، بل يشكل وسيلة لإنتاج المعرفة داخل الاقتصاد الوطني، فمن خلال التعلم أثناء العمل، يكتسب العاملون مهارات عملية لا يمكن الحصول عليها عبر التعليم النظري وحده، وهو ما أكدته الأدبيات الاقتصادية التي أوضحت أن الخبرة العملية تمثل أحد أهم مصادر رفع الإنتاجية والابتكار. كما يسهم التدريب المرتبط بالتكنولوجيا في تقليص الفجوة بين المؤسسات التعليمية واحتياجات سوق العمل، حيث تصبح البرامج التدريبية مبنية على التقنيات المستخدمة فعلياً في القطاعات الإنتاجية، الأمر الذي يزيد من قابلية توظيف الخريجين ويرفع من إنتاجيتهم منذ بداية انخراطهم في سوق العمل، وتؤكد منظمة العمل الدولية أن نظم التدريب المرتبطة مباشرة بالصناعة تحقق نتائج أفضل في رفع كفاءة القوى العاملة مقارنة بالتدريب التقليدي المنفصل عن احتياجات السوق.
من ناحية أخرى يوفر التعاون مع الشركات الأجنبية والجامعات الدولية فرصة مهمة لنقل المعرفة، والتي يصعب نقلها عبر الكتب أو المناهج، وإنما تنتقل من خلال التفاعل المباشر والعمل المشترك، وتعد من أهم عناصر بناء القدرات التكنولوجية الوطنية، لأنها تمكن المؤسسات المحلية من تطوير حلولها الخاصة بدلاً من الاعتماد الدائم على الموردين الخارجيين.
السياسات المطلوبة لبناء رأس المال البشري:
يتطلب بناء رأس المال البشري القادر على توطين التكنولوجيا تبني رؤية متكاملة تتجاوز إصلاح التعليم التقليدي، لتشمل بناء منظومة وطنية للابتكار والتعلم المستمر. ويأتي في مقدمة هذه السياسات تحديث المناهج الجامعية والتقنية بما يتوافق مع التحولات التكنولوجية العالمية ومتطلبات الاقتصاد القائم على المعرفة، مع التركيز على المهارات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأتمتة، والأمن السيبراني، إضافة إلى المهارات الناعمة مثل التفكير النقدي والعمل الجماعي وحل المشكلات. كما ينبغي الاهتمام بالتعليم والتدريب المهني باعتباره أحد أهم محركات التنمية الصناعية، بعد أن أثبتت التجارب الدولية أن الاقتصادات الصناعية الناجحة تعتمد على قوة عاملة تقنية مؤهلة بقدر اعتمادها على خريجي الجامعات. وفي هذا الإطار تصبح الشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص ضرورة استراتيجية لضمان توافق مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد، مع إشراك الشركات في تصميم البرامج التدريبية وتوفير فرص التدريب العملي.
وفي السياق السوري تبرز الحاجة أيضاً إلى برامج وطنية لإعادة تأهيل القوى العاملة الحالية، خاصة أولئك الذين انقطعت مسيرتهم المهنية بسبب سنوات الصراع، وذلك من خلال برامج تدريب متخصصة تستجيب للتحولات التكنولوجية المتسارعة. وإلى جانب ذلك ينبغي تطوير سياسات فعالة للحد من هجرة الكفاءات واستثمار خبرات السوريين في الخارج عبر إنشاء شبكات علمية ومهنية، وتوفير بيئة عمل قائمة على الجدارة، وتحسين ظروف البحث العلمي والابتكار، بما يشجع على نقل المعرفة والاستثمار في الاقتصاد الوطني.
الخاتمة الإنسان كشرط للتكنولوجيا:
يتضح مما سبق أن نجاح مشروع توطين التكنولوجيا في سوريا لا يرتبط بقدرة الدولة على استيراد التقنيات الحديثة فحسب، وإنما يعتمد بصورة أساسية على امتلاك رأس مال بشري قادر على استيعاب تلك التقنيات وتطويرها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة. فالتكنولوجيا في حد ذاتها ليست محركاً للتنمية، بل تصبح كذلك عندما تتوافر الموارد البشرية المؤهلة القادرة على توظيفها في تحسين الإنتاجية وتعزيز الابتكار، وبهذا فإن الاستثمار في الكفاءات السورية ينبغي أن ينظر إليه باعتباره استثماراً استراتيجياً في مستقبل الاقتصاد الوطني، وليس مجرد سياسة تعليمية أو اجتماعية. فكلما ارتفعت جودة التعليم، وتوسعت برامج التدريب، وتعززت العلاقة بين الجامعات والقطاع الإنتاجي، ازدادت قدرة الاقتصاد السوري على توطين التكنولوجيا وتقليل اعتماده على الخارج، ومن هذا المنطلق فإن بناء رأس المال البشري السوري يمثل محور أي استراتيجية تنموية طويلة الأجل، لأنه العنصر القادر على تحويل التكنولوجيا من أدوات مستوردة إلى معرفة وطنية، ومن استهلاك تقني إلى إنتاج وابتكار يقودان عملية التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة.