الكاتب أ. محمد غزال
باحث اقتصادي
حين يُذكر إرث حزب البعث، يتجه الحديث غالباً نحو السياسة والاقتصاد والمؤسسات، حيث تُناقش ملفات الفساد، والاستبداد، والتراجع الاقتصادي، وتُحلل آثارها على الدولة والمجتمع، لكن هناك إرثًا آخر أقل ظهورًا وأكثر خطورة، لأنه لا يسكن في القوانين أو الأبنية أو المؤسسات، بل في السلوك اليومي للناس.
فالأنظمة الطويلة لا تدير الدول فقط، بل تعيد تشكيل المجتمعات أيضاً. وخمسون عاماً من الحكم الاستبداد الأسدي ليست فترة عابرة في عمر السوريين، بل زمن كافٍ لصناعة عادات جديدة، وتطبيع سلوكيات لم تكن طبيعية، وإعادة تعريف ما هو مقبول وما هو مرفوض.
المشكلة أن كثيراً من السوريين ينظرون اليوم إلى تشوهات المجتمع وكأنها صفات أصيلة فيه، بينما هي في الحقيقة نتاج بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية تشكلت عبر عقود طويلة. فعندما يعيش الناس سنوات طويلة في ظل ضعف المؤسسات، لا يتعلمون احترام القاعدة بقدر ما يتعلمون البحث عن الاستثناء. وعندما تتراجع الثقة بالقانون، تصبح العلاقة الشخصية أقوى من النظام نفسه. وعندما يشعر المواطن أن حقوقه لا تأتي عبر المؤسسات، يبدأ بالبحث عن طرق بديلة للحصول عليها، ومع الزمن، تتحول هذه السلوكيات من استثناءات إلى ثقافة عامة.
ولهذا، لم تكن المشكلة في الفساد الكبير فقط، بل في آلاف الممارسات الصغيرة التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية. فإخفاء الفاتورة، أو البحث عن منفعة شخصية على حساب القاعدة العامة، أو التحايل على الأنظمة، أو قبول الغش البسيط باعتباره “شطارة”، كلها ليست مجرد مخالفات فردية، بل انعكاس لثقافة تشكلت في بيئة فقدت فيها القاعدة العامة هيبتها.
والأمر لا يقتصر على الاقتصاد وحده، فهناك أيضاً التلوث الأخلاقي واللفظي الذي أصاب المجال العام. فانتشار لغة الشتائم والإهانات في النقاشات اليومية، وتراجع الذوق العام، والاعتياد على الفوضى والتشوهات البصرية والسمعية، ليست ظواهر منفصلة عن السياق العام الذي عاشه المجتمع.Z
ولعل من أخطر ما أنتجته تلك المرحلة أيضاً، ليس الفقر الاقتصادي وحده، بل ما يمكن تسميته بـ “فقر التوقعات”، فالمجتمعات لا تقاس فقط بما تملكه من موارد، بل أيضاً بما تعتبره حقًا طبيعياً تستحقه. وعلى مدى عقود طويلة، اعتاد السوري على الانشغال بأساسيات البقاء، من راتب محدود، وخدمات متراجعة، وكهرباء منقطعة، ووقود نادر، واحتياجات يومية تتحول إلى معارك صغيرة، ومع الزمن، لم يتراجع مستوى المعيشة فقط، بل تراجع معه سقف الطموح نفسه. فبدل أن يسأل المواطن: لماذا لا تكون دمشق أجمل؟ ولماذا لا تكون شوارعي حلب أنظف؟ ولماذا لا تكون الخدمات أكثر جودة؟ أصبح السؤال الأهم: كيف أمرّ هذا اليوم بأقل الخسائر؟
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج تلك المرحلة، إذ لم تُنتج فقراً اقتصادياً فقط، بل أنتجت فقراً في التوقعات أيضاً. فالإنسان الذي اعتاد طويلاً على التراجع، يبدأ بالتعامل مع الحد الأدنى وكأنه الحد الطبيعي، ويستقبل ما يفترض أن يكون حقًا عادياً وكأنه إنجاز استثنائي. ولهذا لم يعد التدهور هو الصادم، بل أصبح التحسن هو المفاجأة، كتحسن التغذية الكهرباء المنزلية. فحين تتراجع قيمة القانون، تتراجع معها قيمة المساحة العامة، وحين يضعف الشعور بالمواطنة، تصبح الشوارع والحدائق والمرافق العامة وكأنها لا تخص أحداً. وحين يشعر الإنسان أن لا دور له في صناعة المستقبل، يتراجع اهتمامه بالمحيط الذي يعيش فيه.
لهذا، فإن أخطر ما ورثته سوريا من تلك المرحلة ليس الفقر وحده، ولا تراجع الإنتاج، ولا ضعف المؤسسات فقط، بل اعتياد المجتمع على أنماط من السلوك كان ينبغي أن تبقى مرفوضة، لكنها تحولت مع الزمن إلى أمور عادية لا تثير الاستغراب.
ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين إسقاط نظام سياسي وبين معالجة آثاره العميقة. فبناء دولة جديدة لا يبدأ فقط بكتابة قوانين جديدة أو تغيير الإدارات، بل يبدأ بإعادة بناء العقد الأخلاقي والاجتماعي بين الناس أنفسهم.
إن التحدي الحقيقي أمام سوريا الجديدة ليس فقط إعادة إعمار المدن، بل إعادة إعمار السلوك العام. وليس فقط إصلاح الاقتصاد، بل إصلاح العلاقة بين المواطن والقانون، وبين الفرد والمصلحة العامة، فالطرق يمكن إعادة تعبيدها خلال سنوات، والمؤسسات يمكن إعادة بنائها خلال عقد من الزمن، أما إصلاح العادات التي ترسخت عبر نصف قرن، فقد يحتاج إلى جيل كامل، ولهذا، فإن السؤال الأهم اليوم ليس: ماذا فعل البعث بسوريا؟ بل: كيف نستطيع أن نتجاوز المواطن الذي صنعته تلك المرحلة، ونبني مواطناً جديداً يؤمن بالمبادرة بدل الانتظار، وبالقانون بدل الواسطة، وبالمصلحة العامة بدل المنفعة الضيقة؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد شكل سوريا القادمة أكثر.