الكاتب: أ. محمد ياسين نجار
سياسي وكاتب سوري
تأتي زيارة الرئيس أحمد الشرع، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية في توقيت جيوسياسي واقتصادي بالغ الحساسية؛ وهي الزيارة التي اكتسبت ثقلاً إضافياً بعد تأجيلها السابق لظروف ميدانية مرتبطة باستكمال بسط السيادة الوطنية على الجزيرة السورية وتأمين الزيارة من محاولات التشويش لأنصار حزب العمال الكردستاني.
يُعول اليوم على هذه المحطة الدبلوماسية لتضع حجر الأساس لمرحلة بناء علاقة استراتيجية تشاركية مع عملاق التصنيع العالمي.
إن هذه الزيارة تتجاوز الأبعاد التقليدية، لتمثل استراتيجية سورية طموحة للاستفادة من النموذج التنموي الأنجح عالمياً في النهوض من تحت الركام، وهو النموذج الألماني الذي صاغ “المعجزة الاقتصادية” عقب الحرب العالمية الثانية.
ألمانيا: النموذج والمختبر التقني
إن اختيار ألمانيا كوجهة اقتصادية كبرى لم يأتِ من فراغ؛ فهي لا تمتلك القوة الصناعية فحسب، بل تمتلك “الذاكرة المؤسساتية” الأعمق للبنية التحتية والصناعية السورية. وهنا يبرز الدور المحوري للوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، التي تعتبر كنزاً معلوماتياً استراتيجياً؛ بما تمتلكه من معطيات تقنية هائلة تتعلق بالتجهيزات الأساسية في سورية، خاصة في قطاعات الطاقة، ومحطات ضخ المياه، والمشاريع الميكانيكية والكهربائية المعقدة التي واكبتها الوكالة لعقود قبل الثورة السورية وخلالها.
بالنسبة لقطاع الأعمال السوري، فإن التعاون مع “GIZ” والشركات الألمانية يعني الحصول على “خرائط الطريق” اللازمة لبدء مرحلة التعافي؛ أي الانتقال من مرحلة التخطيط النظري إلى التنفيذ المباشر عبر الاستفادة من المواصفات القياسية والمعايير الألمانية الهامة عالمياً. (DIN) التي تضمن ديمومة واستدامة المشاريع القومية الكبرى
الجسر البشري: السوريون في ألمانيا كرافعة اقتصادية
لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن “القوة الناعمة” السورية في قلب أوروبا. تضم ألمانيا اليوم قرابة مليون سوري، تحول جزء كبير منهم إلى عناصر فاعلة في الدورة الاقتصادية الألمانية. هؤلاء ليسوا مجرد مغتربين، بل هم نخب علمية وتجارية؛ حيث يحتل الأطباء السوريون المرتبة الثانية بين الجنسيات الأجنبية الممارسة للطب في ألمانيا، ناهيك عن جيل صاعد من رجال الأعمال والمهندسين والمبتكرين.
تمثل هذه الكتلة البشرية “رأس مال مهاجر” ينتظر أن يساهموا في بناء شراكات استثمارية بين سورية وألمانيا. وتأتي تحركات الرئيس الشرع لتفعيل هذه الروابط، وتحويل المغترب السوري من “مصدر للتحويلات” إلى “شريك في التنمية” عبر نقل التكنولوجيا الألمانية. (Transfer of Technology) وتوطينها في الحواضن الصناعية السورية
مشروع “مارشال السوري”: من الفكرة إلى الشراكة
عندما طرح الرئيس الشرع رؤيته لمشروع “مارشال سوري” منذ أولى زياراته الخارجية إلى باريس، كان يستند إلى فهم عميق للتاريخ؛ فخطة مارشال لم تكن مجرد منح مالية، بل كانت “إعادة هندسة” شاملة للاقتصاد. واليوم، تبدو سورية في أمسّ الحاجة إلى شراكات توفر التمويل المقترن بالخبرة التنظيمية الألمانية الصارمة..
خاتمة: نحو “عقد نهضوي” جديد
إن نقاط التشابه بين سورية وألمانيا تؤكد أن النهوض ليس مستحيلاً إذا ما تلاقت “الإرادة السياسية” مع “الخبرة التقنية” والمصالح المشتركة. إن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى برلين تساهم بشكل مباشر في ميلاد “سورية الجديدة” القائمة على الجودة، الدقة، والنمو المستدام.
نحن اليوم أمام فرصة تاريخية ليتحول القطاع الخاص السوري من مرحلة “الصمود” إلى مرحلة “القيادة”، مستلهماً من التجربة الألمانية أن العمل المؤسساتي هو الطريق الوحيد للسيادة الاقتصادية الحقيقية.