الجزيرة السورية: من اقتصاد السيطرة إلى اقتصاد السِّلم

لم تكن الجزيرة السورية يومًا مجرد مساحة جغرافية على هامش الدولة، بل شكّلت تاريخيًا قلب الاقتصاد المنتج في سوريا، حيث زوّد النفط الطاقة، وحمى القمح الأمن الغذائي، وأسهمت المياه في تغذية الزراعة والصناعة معًا. من هنا، لا يمكن قراءة عودة الجزيرة اليوم بوصفها تطورًا إداريًا أو أمنيًا أو سياسيًا فقط، بل باعتبارها تحولًا اقتصاديًا عميقًا ينقل سوريا من منطق السيطرة إلى منطق السِّلم. فالجزيرة ليست منطقة “عادت” بالمعنى الشكلي، بل اقتصاد عاد إلى وظيفته الطبيعية، وهو ما يجعل هذا التحول ذا دلالة تتجاوز الجغرافيا إلى بنية الاقتصاد السوري نفسها، وإلى العلاقة بين الدولة والإنتاج، وبين المجتمع والموارد، وبين الاستقرار والتنمية. خلال السنوات الأخيرة، عاشت الجزيرة ضمن نموذج يمكن توصيفه باقتصاد السيطرة، وهو اقتصاد تُدار فيه الموارد خارج المجتمع، وتُستخرج الثروات فيه بلا دورة تنموية وطنية، وتُحكم الأرض عبر شبكات نفوذ لا عبر مؤسسات.

 

في هذا النموذج، لم تكن المشكلة في غياب الموارد، بل في انفصالها عن الناس، إذ عاش السكان فوق الثروة من دون أن تعود عليهم، وتحول الإنتاج إلى نشاط بلا سيادة، بينما غابت التنمية بوصفها مسارًا مستقرًا. هذا النمط من الاقتصاد جعل النفط خارج وظيفته الوطنية، والزراعة بلا استقرار، والمياه أداة إدارة نفوذ أكثر من كونها أساسًا لإنتاج مستدام، وهو ما أفرز اقتصادًا يقوم على موارد بلا تنمية، وإنتاج منفصل عن المجتمع، وثروة تُدار بمنطق الغنيمة لا العائد. اليوم، ومع عودة الجزيرة إلى إطارها الوطني، لا نتحدث عن فرصة محتملة أو مشروع مؤجل، بل عن استعادة شروط الاقتصاد الطبيعي. فحين تعود الأرض لأصحابها، وتدخل المــــــــوارد فـــي

دورتها الوطنية، يبدأ اقتصاد السِّلم بالعمل تلقائيًا، حتى قبل اكتمال السياسات والخطط، لأن عوامل الإنتاج نفسها تبدأ بإعـــــــادة التــــــــوازن المفقـــــود.

 

اقتصاد السِّلم لا يبدأ من الموازنات العامة، بل من الإنتاج الحقيقي، إذ إن برميل النفط المحلي يخفف تلقائيًا فاتورة الاستيراد، والهكتار المزروع يخلق دخلًا واستقرارًا من دون انتظار برامج دولية، والكهرباء المنتجة محليًا تخفف الضغط على العملة والأسعار بحكم الواقع لا بحكم الخطاب. وبذلك تنتقل سوريا من اقتصاد يعيش على الطوارئ إلى اقتصاد قادر على الإنتاج، ومن إدارة نقص مزمن إلى إدارة موارد حقيقية، ومن سؤال كيف نؤمّن إلى سؤال كيف نُنمّي. الأهم أن خيرات الجزيرة لا تختزل في أرقام أو جداول، لأنها تمثل حياة اجتماعية كاملة. فاقتصاد السِّلم هو اقتصاد البشر قبل أن يكون اقتصاد المؤشرات، حيث تعني عودة الزراعة عودة الفلاح، وتعني عودة الإنتاج عودة العمل، ويقود الاستقرار الاقتصادي إلى تراجع دوافع النزوح والهجرة. وحين تستعيد المجتمعات مصادر رزقها، يبدأ التعافي الاجتماعي قبل أن يظهر في المؤشرات الكلية.

 

بهذا المعنى، لا يُفهم السِّلم في الجزيرة بوصفه توصيفًا سياسيًا، بل بوصفه حالة اقتصادية ملموسة، تقوم حين تصبح الموارد في خدمة المجتمع لا أداة للسيطرة عليه. ومن هنا، فإن إخراج ميليشيات قسد من الجزيرة لا يُقرأ فقط كتبدل في موازين القوة، بل كنهاية منظومة اقتصادية كاملة قامت على إدارة الأرض خارج سياقها الوطني، وعلى تحويل الموارد إلى أدوات نفوذ بدل أن تكون عوائد تنموية. مع انتهاء هذه المرحلة، تعود الجزيرة إلى دورها الطبيعي بوصفها رافعة إنتاج لا ساحة تنازع، حيث يعود النفط ليستثـــــمـــــــــر في الداخـــــــل بــــدل أن يُـــــــــدار بمنطق الاستثناء، ويعود القمح ليشكّل قاعدة للأمن الغذائي بدل أن يكون ورقة ضغط، وتعود المياه لخدمة الزراعة المستقرة لا خرائط النفوذ المؤقتة. التحول الأهم أن الجزيرة تنتقل من اقتصاد يُدار بالسلاح والحدود غير المرئية، إلى اقتصاد يُدار بالعمل والسوق،

 

وهو تحول يصنع السِّلم بذاته، لأن السِّلم القائم على الدخل أرسخ من السِّلم القائم على التهدئة، ولأن الاستقرار الناتج عن الإنتاج أكثر استدامة من الاستقرار المفروض بالقوة. كما تعني عودة الجزيرة إعادة التوازن بين المركز والأطراف، بعدما أفرغت سنوات اقتصاد السيطرة الريف من معناه الاقتصادي وحوّلته إلى هامش تابع. أما اليوم، فإن عودة الزراعة والطاقة تعيد للريف مكانته، وتخفف الضغط عن المدن، وتعيد توزيع النشاط الاقتصادي على نحو أكثر عدالة واستدامة. بهذا المعنى، فإن عودة الجزيرة السورية ليست فصلًا جديدًا في الصراع، بل إغلاق لمرحلة اقتصادية مشوّهة كانت فيها الموارد منفصلة عن الناس، والإنتاج منفصلًا عن الوطن. ومع انتهائها، تُفتح الطريق أمام اقتصاد أكثر بساطة وعمقًا في آن واحد، اقتصاد يعيش من أرضه ويستقر بها.


img