الأبعاد الاقتصادية لاستعادة المنطقة الشرقية في سوريا

1-  الأهمية الاقتصادية للمنطقة الشرقية في سورية:

تتسم المنطقة الشرقية في سورية بالأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية البارزة في الاقتصاد السوري, وتعد خزان الموارد الاستراتيجية من الطاقة والغذاء, وتمثل الرئة الحيوية للاقتصاد والمحفز الرئيسي لمعدلات النمو والتي بلغت ما بين 4% – 5% سنوياً خلال السنوات الأولى من الألفية الثالثة,  وارتكز هذا الدور على عنصرين استراتيجيين الأول قطاع الطاقة, فالمنطقة تضم أكثر من 85% من احتياطيات النفط والغاز, فخلال العام 2010 بلغت إنتاجية النفط الخام حوالي 385 ألف برميل يومياً, ووصلت مساهمته في هيكل الصادرات إلى ما يقارب 12.24 مليار دولار (UNDP, 2025), وشكل ذلك ما يناهز 25% من الإيرادات الحكومية المباشرة و40% تقريباً من إجمالي الصادرات (World Bank, 2025),  وبالتالي وفرت هذه التدفقات النقدية غطاء للمصرف المركزي مما أتاح له الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة السورية عند مستويات (47 ليرة مقابل الدولار), مما أدى إلى حماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية (SCPR, 2013), وعلاوة على ما سبق ساعدت هذه العوامل في تغطية العجز التجاري وتحسين مؤشرات الميزان التجاري (EIA, 2025), في حين يتصل العنصر الثاني بالقطاع الزراعي وسلاسل القيمة الغذائية, إذ تجاوزت مساهمة المنطقة في هذا القطاع 60% من محصول القمح الاستراتيجي وما يقارب 75% من محصول القطن (ESCWA, 2020), وتجدر الإشارة إلى أن إنتاجية القمح وصلت إلى 3.85 مليون طن في 2011 بما يغطي 55% من الإنتاجية على المستوى الوطني, وهو ما يعد مؤشراً على ضمان الأمن الغذائي في سورية, ومن جهة ثانية أسهم هذا القطاع في دعم الصادرات ضمن حزمة المنتجات والسلع (FAO, IndexMundi, 2025), مما عزز من مكانة سورية كفاعل إقليمي في تصدير الحبوب والمنسوجات, لينعكس ذلك إيجاباً على ميزان المدفوعات, ولم تتوقف مساهمة هذين القطاعين عند هذا الحد, بل لعبا أدواراً هامة في تحسين البيئة الاقتصادية متمثلة في توفير فرص العمل, الاستقرار في الأسعار, والمساهمة في نمو الناتج المحلي الإجمالي والذي بلغ 60 مليار دولار في 2010 (World Bank, 2025), غير أن التطورات التي شهدتها سورية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 – 2024 ومع سيطرة قسد تدريجياً على حقول النفط في المنطقة الشرقية أدى إلى فقدان السيطرة على الموارد في تلك المنطقة, وبالتوازي مع انهيار سلاسل التوريد الوطنية, وهو ما انعكس سلباً على مجمل المؤشرات الاقتصادية, وفي هذا السياق تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوري انكمش بنسبة تجاوزت 53% خلال الفترة ما بين 2010  – 2022 (World Bank, 2025), وذلك نتيجة للتراجع الكبير في الإنتاج النفطي والزراعي, مما أدى إلى تحول الاقتصاد من حالة الاستقرار النسبي والانتقال إلى مرحلة اتسمت بارتفاع

معدلات التضخم لتتجاوز 100% في السنوات الأخيرة, وذلك بفعل السياسات الاقتصادية التخبطية للنطام البائد وغياب العوائد النفطية والزراعية, وما رافقه من استنزاف حاد للاحتياطيات النقدية الأجنبية, مما دفع بسعر الصرف للانهيار ليصل إلى مستويات مرتفعة جداً (تجاوزت 14,000 ليرة للدولار), وقد تزامن هذا الانهيار النقدي مع الاعتماد على استيراد المشتقات النفطية والقمح بالعملات الأجنبية, الأمر الذي انعكس بارتفاع كبير في مؤشر أسعار المستهلك, ودفع بأكثر من 90% من السكان إلى ما دون خط الفقر (UNDP, 2023), وبناء عليه فإن متطلبات التعافي الاقتصادي في المرحلة الراهنة, والتحول نحو نموذج اقتصادي أكثر قدرة على تعزيز فرص التنمية في سورية, تستدعي إعادة دمج المنطقة الشرقية ضمن الخارطة الاقتصادية الوطنية بما يمكنها من الإسهام الفاعل في دفع مسار التعافي وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

 

2- سيناريو إعادة دمج وتسريع التعافي الاقتصادي:

يفترض هذا السيناريو تحقيق إعادة دمج للمنطقة الشرقية ضمن الاقتصاد، وبالتوازي مع الاستقرار في البيئة السياسية والأمنية، والتحسن في الأطر المؤسسية والحوكمة, وبالتالي سيؤدي ذلك إلى الإسهام في إعادة التوازن لكل من الميزان التجاري وميزان المدفوعات, فعند استئناف إنتاج النفط والغاز سيحدث تحولاً ملموساً في أداء التجارة الخارجية, إذ يقدر أن استعادة الإنتاجية النفطية إلى مستوى يقارب 200 ألف برميل يومياً خلال مراحل إعادة استثمار الحقول القائمة, سيكون من شأنه تخفيض فاتورة استيراد المشتقات النفطية بما لا يقل عن 2 مليار دولار سنوياً, وهو ما يحد من استنزاف القطع الأجنبي (World Bank, 2025), ويعزز هذا التوفير عند اقترانه بالزيادة المتوقعة في الصادرات النفطية والزراعية, والتي يقدر أن تصل إلى ما يقارب 150% خلال السنوات الثلاث الأولى من إعادة استثمار هذه المناطق, الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تقليص ملموس في العجز التجاري, كما يرجح أن يسهم ذلك في خفض العجز الكلي بنسبة تتراوح بين 40% – 50% خلال السنوات الخمس الأولى التي تلي اكتمال عملية الدمج وإعادة تأهيل البنية التحتية (ESCWA, 2020), ويشكل هذا التحسن في ميزان المدفوعات مدخلاً أساسياً يمكن المصرف المركزي من الشروع في إعادة تكوين احتياطيات نقدية جديدة قد تصل تدريجياً إلى ما بين 3 – 5 مليارات دولار, بما يعزز الثقة بالليرة السورية ويحسن من أداء الاقتصاد الوطني بشكل عام (World Bank, 2025).

 

وعلى مستوى الأسعار وفيما يتعلق بخفض معدلات التضخم, فإن توفير المشتقات النفطية والقمح من مصادر محلية وبكلفة وطنية من شأنه أن يخفف الضغط على تكاليف الإنتاج في القطاعات الأساسية, فبعد التراجع الحاد في إنتاج القمح من نحو 3.8 مليون طن عام 2010

 

إلى قرابة 1.5 مليون طن في عام 2022, من المتوقع أن تسهم إعادة استثمار الأراضي الزراعية في رفع الإنتاجية إلى مستويات تقترب من 3 ملايين طن خلال ثلاث إلى أربع سنوات, بما يغطي نحو 85 – 90% من الاحتياجات المحلية وهو ما يعزز فرص تحقيق الاكتفاء الذاتي ويحد من الاعتماد على الاستيراد (ESCWA, 2020), ويفضي هذا الانخفاض في تكاليف الإنتاج, ومترافقاً مع تحسن سعر الصرف الناتج عن التحول الإيجابي في ميزان المدفوعات إلى تخفيض معدلات التضخم,  كما وتشير التقديرات إلى أن تراجع كلفة الطاقة ضمن سلاسل التوريد بنسبة تقارب 50% قد ينعكس انخفاضاً في معدل التضخم إلى مستويات أدنى من 30%, بعد أن سجلت مستويات مرتفعة تجاوزت 100% في السنوات الأخيرة (UNDP, 2023). على صعيد تحفيز النمو الحقيقي عبر تكامل سلاسل القيمة الوطنية،

 

فإن إعادة تشغيل حقول النفط والغاز والمساحات الزراعية ستوفر قيمة مضافة للاقتصاد, حيث يقدر أن كل 100 ألف برميل نفط إضافي يتم إنتاجه يومياً يمكن أن يساهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.2% سنوياً, مما يضع الاقتصاد على مسار التعافي المستدام (World Bank, 2025), كما أن هذا النمو مقترناً بزيادة مساهمة القطاع الصناعي, سيؤدي إلى خلق ما بين 300 – 500 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات الزراعة والطاقة وإعادة الإعمار, بما يسهم في خفض معدلات البطالة بما يتراوح بين 6 – 8 نقاط مئوية (World Bank, 2025), وإلى جانب ذلك فإن استقرار سعر الصرف وتوفر مصادر الطاقة سيحفز الاستثمار الخاص مع إمكانية عودة ارتفاع مساهمته تدريجياً إلى حدود 8–10% من الناتج المحلي الإجمالي خلال خمس سنوات, بعد أن انخفض من 12.3% في عام 2010 إلى حوالي 3% في عام 2022, بما يفتح المجال أمام عودة رؤوس الأموال وتحقيق معدلات نمو إيجابية تتراوح بين 1.5% إلى 2.5% خلال السنوات الأولى من إعادة الدمج.


img