الأسبوع الثاني من شهر أيار 2026

الملخص التنفيذي:

تشير التطورات الاقتصادية المحلية خلال الأسبوع إلى استمرار الجهود الرامية إلى إعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية والمالية في سورية، من خلال تطوير البنية الرقمية للقطاع المصرفي، وتعزيز معايير الحوكمة والرقابة، وتوسيع نطاق الشراكات الاستثمارية المحلية والخارجية. كما تعكس الإجراءات الحكومية الأخيرة توجهًا نحو تحقيق توازن بين تحسين المستوى المعيشي للمواطنين ورفع كفاءة الإدارة المالية العامة.

وعلى المستوى الدولي، ما تزال التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط تؤثر بصورة مباشرة في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، الأمر الذي ينعكس على معدلات التضخم وحركة التجارة الدولية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية تسريع برامج الإصلاح الاقتصادي وتحسين بيئة الاستثمار لزيادة قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة المتغيرات الخارجية والاستفادة من الفرص المتاحة.

وبصورة عامة، يشهد الاقتصاد السوري محاولات متزايدة لإعادة الاندماج التدريجي في الاقتصادين الإقليمي والدولي، رغم استمرار التحديات المرتبطة بالتمويل والبنية التحتية والاستقرار الاقتصادي، ما يجعل نجاح الإصلاحات الحالية مرتبطًا بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة خلال المرحلة المقبلة.

أولاً: التطورات على المستوى المحلي

السياسات النقدية والمنظومة المصرفية

شهد القطاع المصرفي السوري تطورات مهمة تمثلت بإعلان مصرف سورية المركزي وشركة “ماستركارد” استكمال الجاهزية التقنية لمعالجة معاملات البطاقات الدولية داخل سورية، في خطوة تهدف إلى ربط السوق المحلية بشبكات المدفوعات العالمية وتسهيل استخدام البطاقات الصادرة دوليًا في نقاط البيع المحلية، بما يسهم في تعزيز الشمول المالي وتحسين تدفق الحوالات المالية الخارجية.

كما وقع مصرف سورية المركزي ووزارة الاتصالات مذكرة تعاون مع شركتي “فيزا” و”ماستركارد” لتطوير البنية المالية الرقمية وفق المعايير الدولية، في إطار دعم التحول الرقمي ورفع كفاءة الخدمات المالية الإلكترونية.

وفي سياق تعزيز الحوكمة المصرفية، بدأ مصرف سورية المركزي بالتعاون مع شركة “أوليفر وايمان” تنفيذ دراسة لتقييم الفجوات التنظيمية والمخاطر في المصارف المحلية، بالتوازي مع جهود وزارة المالية لأتمتة العمليات الإدارية والرقابية، بما يدعم مواءمة القطاع المصرفي مع متطلبات الامتثال الدولية ويفتح المجال مستقبلاً لتوسيع العلاقات المصرفية الخارجية.

 

السياسات المالية وإعادة الإعمار

أصدرت وزارة المالية التعليمات التنفيذية الخاصة بزيادة الرواتب والأجور بنسبة 50% للعاملين المدنيين والعسكريين، مع منح زيادات إضافية لبعض القطاعات الحيوية، على أن يبدأ تنفيذ الصرف في نهاية شهر أيار.

وتهدف هذه الخطوة إلى تخفيف الضغوط المعيشية وتحسين القدرة الشرائية للأسر، إلا أن آثارها الاقتصادية ستظل مرتبطة بقدرة الأسواق المحلية على توفير السلع والخدمات بالكميات الكافية للحد من الضغوط التضخمية.

كما ناقشت وزارة المالية مع غرفة تجارة ريف دمشق آليات تطوير النظام الضريبي وتبسيط إجراءات التكليف، بما يساهم في رفع مستويات الامتثال الضريبي وتحسين بيئة الأعمال.

وفي إطار التنسيق الاقتصادي، أطلقت وزارتا الاقتصاد والصناعة وهيئة اقتصاد شمال شرق سورية نظام لجان مشتركة لتوحيد قواعد البيانات الرقمية للعاملين في قطاعات الصوامع والمطاحن والمخابز، بما يسهم في تعزيز الكفاءة التشغيلية وتحسين إدارة الموارد الغذائية.

وفي مجال إعادة الإعمار، أعلن صندوق التنمية السوري تسجيل تعهدات تمويلية بقيمة 83 مليون دولار خلال الربع الأول من عام 2026، تم تحصيل نحو 41 مليون دولار منها، إضافة إلى توقيع اتفاقيات لتنفيذ 45 مبادرة تنموية بالتعاون مع مجلس الأعمال السعودي السوري في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية.

قطاع الاستثمار والمشروعات الكبرى والسياحة

تم توقيع مذكرة تفاهم مع شركة “بوماكو” التركية لإنشاء وتشغيل منطقة حرة وميناء جاف في محافظة إدلب، بهدف تطوير البنية اللوجستية وتعزيز حركة التبادل التجاري عبر الحدود.

كما تواصل هيئة الاستثمار السورية استعداداتها لعقد ملتقى الاستثمار اليمني السوري بهدف توسيع الشراكات الاقتصادية ودعم مشاريع إعادة الإعمار.

وفي القطاع السياحي، يعمل اتحاد غرف السياحة على إعداد قاعدة بيانات فنية ومالية للمنشآت السياحية المتوقفة والمتعثرة تمهيدًا لطرحها كفرص استثمارية، بما يساهم في تسريع تعافي القطاع وزيادة مساهمته في النشاط الاقتصادي.

العلاقات الدولية والدبلوماسية الاقتصادية

شهد الأسبوع نشاطًا دبلوماسيًا واقتصاديًا ملحوظًا، حيث أعلن مجلس الاتحاد الأوروبي إنهاء التعليق الجزئي لاتفاقية التعاون مع سورية، بالتزامن مع انطلاق حوار سياسي واقتصادي في بروكسل لبحث سبل تطوير العلاقات الثنائية.

كما تم تأسيس مجلس الأعمال السوري الهنغاري بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات المشتركة.

وعلى المستوى العربي، اختتم ملتقى الاستثمار السوري الإماراتي أعماله في دمشق بمشاركة رسمية واقتصادية واسعة، فيما استمرت المباحثات السورية اللبنانية والمصرية لتطوير التبادل التجاري وتذليل العقبات أمام حركة الصادرات وتأمين مستلزمات الإنتاج.

الصناعة والأمن الغذائي

شاركت خمس شركات سورية في معرض “الجمال إسطنبول 2026” في إطار جهود تعزيز حضور المنتجات السورية في الأسواق الخارجية.

وفي مجال الأمن الغذائي، وقعت المؤسسة السورية للحبوب مذكرة تفاهم لتأهيل وتشغيل 11 مطحنة في محافظات درعا والرقة وإدلب ضمن إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بهدف تحديث منظومة إنتاج الطحين وتعزيز الأمن الغذائي.

البنية التحتية والطاقة

أوضحت الشركة السورية للبترول أن التعديلات الأخيرة على أسعار المحروقات جاءت نتيجة ارتفاع تكاليف التوريد والشحن وتقلبات أسعار الصرف العالمية.

كما بحثت وزارة الطاقة مع الجانب النرويجي فرص التعاون في مجال تطوير المنظومة الكهربائية وتحسين موثوقية الشبكة الوطنية، بالتوازي مع إصدار التعليمات التنفيذية الجديدة الخاصة بترخيص محطات الوقود وإطلاق منصة إلكترونية لاستقبال طلبات الترخيص ضمن برنامج التحول الرقمي الحكومي.

ثانياً: تحليل الوضع المحلي

تشير المعطيات الحالية إلى أن الاقتصاد السوري يمر بمرحلة إعادة تنظيم مؤسسي تستهدف تحسين بيئة الأعمال وتعزيز قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات والاندماج التدريجي في الأسواق الإقليمية والدولية.

وتبرز في هذا السياق عدة اتجاهات رئيسية:

تسريع التحول الرقمي في القطاع المالي والمصرفي بما يعزز كفاءة الخدمات المالية ويرفع مستوى الشفافية.
تطوير معايير الحوكمة والامتثال المصرفي تمهيدًا لتوسيع العلاقات المالية الخارجية.
تحقيق توازن بين الإجراءات الاجتماعية الداعمة للدخل والإصلاحات المالية الرامية إلى رفع كفاءة الإيرادات العامة.
تعزيز دور القطاع الخاص في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية من خلال نماذج الشراكة الاستثمارية.
توسيع شبكة العلاقات الاقتصادية الإقليمية بهدف جذب الاستثمارات وتنويع مصادر التمويل.
ورغم هذه التطورات، ما تزال فعالية الإصلاحات مرهونة بقدرة الاقتصاد على معالجة التحديات المرتبطة بالإنتاج المحلي والتمويل والاستقرار الاقتصادي العام.

ثالثاً: التطورات على المستوى العالمي

السياسات النقدية والتمويل الدولي

حذر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط واضطرابات الإمدادات العالمية يشكلان مخاطر متزايدة على النمو الاقتصادي العالمي، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة.

كما أشار صندوق النقد الدولي إلى استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي رغم تحسن بعض المؤشرات المالية، مؤكدًا أن اتساع نطاق الصراعات الجيوسياسية قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية أكثر حدة.

أسواق الطاقة العالمية

واصلت أسعار النفط ارتفاعها مدفوعة بالمخاوف المتعلقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، وسط تحذيرات من تراجع الإمدادات العالمية وارتفاع تكاليف النقل والشحن.

كما تشير التقديرات إلى استمرار الضغوط على أسواق الغاز الطبيعي المسال خلال الفترة المقبلة نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.

الملاحة البحرية وسلاسل الإمداد

شهدت حركة الملاحة في مضيق هرمز تراجعًا ملحوظًا نتيجة التوترات الأمنية، ما انعكس على حركة التجارة الدولية وتكاليف النقل البحري، وأدى إلى زيادة المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية.

التجارة الدولية

تأثرت حركة التجارة العالمية بارتفاع تكاليف النقل والطاقة، في حين تصاعدت مؤشرات الحمائية التجارية مع التهديد بفرض رسوم جمركية إضافية بين عدد من الاقتصادات الكبرى، الأمر الذي يزيد من الضغوط على النمو العالمي.

الأمن الغذائي العالمي

أعلنت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء العالمي مدفوعًا بزيادة أسعار الزيوت النباتية وبعض السلع الأساسية، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالطاقة والنقل وسلاسل الإمداد.

الأسواق المالية والمعادن الثمينة

اتجه المستثمرون نحو الأصول الآمنة في ظل حالة عدم اليقين العالمية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية، في حين شهدت بعض الأسواق المالية العالمية والخليجية تذبذبات متفاوتة خلال الأسبوع.

رابعاً: تحليل الوضع العالمي

تؤكد المؤشرات الحالية أن الاقتصاد العالمي يواجه مرحلة تتسم بارتفاع مستويات المخاطر الجيوسياسية وعدم اليقين الاقتصادي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أسواق الطاقة والتجارة الدولية والتضخم العالمي.

وتتمثل أبرز ملامح المشهد العالمي في:

استمرار الضغوط على أسواق الطاقة نتيجة المخاطر الجيوسياسية.
بقاء معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة نسبيًا في عدد من الاقتصادات الكبرى.
زيادة الإقبال على الأصول الآمنة وفي مقدمتها الذهب.
تصاعد المخاوف المتعلقة بالأمن الغذائي العالمي.
تنامي الاتجاهات الحمائية في التجارة الدولية.
خامساً: انعكاسات المتغيرات العالمية على الاقتصاد السوري

تؤثر التطورات الاقتصادية العالمية على الاقتصاد السوري عبر عدة قنوات رئيسية:

1.      ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن نتيجة اضطرابات أسواق النفط والنقل البحري.

2.      زيادة الضغوط على أسعار المواد الغذائية ومدخلات الإنتاج الزراعي.

3.      تنامي أهمية الإصلاحات المالية والمصرفية لجذب التمويل والاستثمارات الخارجية.

4.      توسع فرص الشراكات الاستثمارية في قطاعات إعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية.

5.      تزايد الحاجة إلى تعزيز الإنتاج المحلي للحد من تأثير الصدمات الخارجية على الأسواق الداخلية.

الخلاصة

تشير مجمل التطورات المحلية والدولية إلى أن الاقتصاد السوري يقف أمام مرحلة تحمل فرصًا وتحديات في آن واحد. فمن جهة، تتواصل جهود الإصلاح المالي والمؤسسي والانفتاح الاقتصادي، ومن جهة أخرى تستمر الضغوط الناتجة عن البيئة الإقليمية والدولية غير المستقرة. ويبقى نجاح هذه المسارات مرتبطًا بقدرة السياسات الاقتصادية على تحويل المبادرات الحالية إلى نتائج عملية تدعم النمو والاستقرار وتحسين مستوى معيشة المواطنين.