النموذج الأفضل لتدخل الدولة في الاقتصاد: من يبني الاقتصاد؟ الدولة أم السوق؟

ورقة سياسات لمخرجات الصالون الاقتصادي الجلسة (2)

النموذج الأفضل لتدخل الدولة في الاقتصاد: من يبني الاقتصاد؟ الدولة أم السوق؟

 

أولاً: مقدمة

تقف سوريا في مرحلة اقتصادية استثنائية تفرض إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت العلاقة بين الدولة والاقتصاد خلال العقود الماضية. فمرحلة التعافي وإعادة البناء لا تتطلب فقط استعادة النشاط الاقتصادي والإنتاجي، وإنما تستدعي إعادة تعريف الأدوار والمسؤوليات بين الدولة والقطاع الخاص والسوق، وبناء نموذج اقتصادي قادر على تحقيق النمو ورفع الإنتاجية وتوسيع فرص العمل، مع ضمان حماية المصلحة العامة والعدالة الاقتصادية والاجتماعية.

ومن هنا، لا يبدو السؤال حول “الدولة أم السوق” سؤالاً ثنائياً بالمعنى التقليدي، بقدر ما هو سؤال حول كيفية بناء العلاقة الأكثر كفاءة بين الدولة والسوق. فالدولة التي تتولى الإنتاج والتشغيل وإدارة النشاط الاقتصادي بصورة مباشرة قد تواجه مخاطر البيروقراطية وضعف الكفاءة وتضارب الأدوار، في حين أن ترك السوق دون إطار مؤسسي وتنظيمي فعال قد يؤدي إلى الاحتكار وتشوه المنافسة واتساع الفوارق الاقتصادية وإضعاف القطاعات الإنتاجية ذات الأهمية الاستراتيجية. وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحديد المجالات التي يكون فيها تدخل الدولة ضرورياً، والمجالات التي تكون فيها آليات السوق أكثر كفاءة، والحدود الفاصلة بين الدور التنظيمي للدولة والدور الإنتاجي للقطاع الخاص.

وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في الحالة السورية، حيث لا تبدأ عملية الإصلاح الاقتصادي من اقتصاد مستقر، وإنما من اقتصاد تعرض خلال سنوات طويلة إلى اختلالات عميقة في الإنتاج والاستثمار والأسواق والمالية العامة والبنية المؤسسية، فضلاً عن تضرر جزء كبير من رأس المال المادي والبشري والإنتاجي. ولذلك فإن الانتقال إلى نموذج اقتصادي جديد لا يمكن أن يقوم على مجرد تقليص حضور الدولة أو توسيعه، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة نفسها، ورفع قدرتها على التنظيم والرقابة ووضع القواعد، بالتوازي مع تحرير الطاقات الإنتاجية والاستثمارية للقطاع الخاص.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى الانتقال من مفهوم الدولة باعتبارها مالكاً ومشغلاً ومنافساً للقطاع الخاص إلى مفهوم الدولة باعتبارها منظماً وممكناً وحامياً للمنافسة وموجهاً للسياسات التنموية، مع الاحتفاظ بدورها في توفير السلع والخدمات العامة، ومعالجة إخفاقات السوق، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، والاستثمار في البنية التحتية ورأس المال البشري، وضمان الأمن الاقتصادي والاجتماعي.

كما تطرح المرحلة المقبلة سؤالا أكثر تحديداً يتعلق بالسياسة الصناعية: هل تحتاج سوريا إلى حماية واسعة للصناعة المحلية، أم إلى تحرير الأسواق والمنافسة؟ وهل يمكن بناء سياسة صناعية حديثة تجمع بين الانفتاح الاقتصادي وحماية مؤقتة ومدروسة للقطاعات القابلة للنمو؟ وكيف يمكن توجيه الدعم العام من دعم الأسعار والاستهلاك إلى دعم الإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا والتصدير؟ وهي أسئلة ترتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد السوري على الانتقال من اقتصاد قائم على الاستهلاك والاستيراد إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية وقدرة على الاندماج في الأسواق الإقليمية والدولية.

وانطلاقاً من هذه الإشكالية، نظم مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية في اتحاد غرف التجارة السورية الجلسة الثانية من فعالية “الصالون الاقتصادي” تحت عنوان “النموذج الأفضل لتدخل الدولة في الاقتصاد: من يبني الاقتصاد؟ الدولة أم السوق؟“، بهدف فتح نقاش اقتصادي متعدد الرؤى حول شكل العلاقة المستقبلية بين الدولة والسوق، وحدود تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي، وأولويات السياسة الصناعية، ودور القطاع الخاص في قيادة عملية النمو والتنمية.

أديرت الجلسة من قبل السيد محمد غزال، المدير العام لمركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية، وشارك في الحوار كل من السيد مازن ديروان رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، والسيد محمد تيسير طرقجي، مستشار وصناعي استراتيجي، والدكتور محمد أنس البو، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في اتحاد غرف التجارة السورية، حيث تناول النقاش مجموعة من القضايا المرتبطة بتحديد الدور الأمثل للدولة في الاقتصاد، والنموذج الأمثل للسياسة الصناعية، وتحويل الدولة من مالك ومشغل مباشر إلى منظم وممكن للتنمية، وتحديد حدود تدخل الدولة في الأسواق، وصولاً إلى تحديد أولويات المرحلة الاقتصادية المقبلة في سوريا.

ولا تهدف هذه الورقة إلى تقديم إجابة أيديولوجية مسبقة لصالح الدولة أو السوق، وإنما إلى استخلاص نموذج عملي قابل للتطبيق في سوريا، يستند إلى كفاءة السوق من جهة، وإلى قدرة الدولة على التنظيم والتصحيح والتوجيه الاستراتيجي من جهة أخرى. ولذلك، فإن قيمة النقاش لا تكمن فقط في اختلاف وجهات النظر، وإنما في إمكانية تحويل هذا الاختلاف إلى خيارات وسياسات قابلة للقياس والتنفيذ.

وتأتي هذه الورقة بوصفها مخرجاً بحثياً للحوار الذي جرى خلال الجلسة، على أن تتطور مع إضافة المداخلات والملاحظات والآراء التي طرحت أثناء النقاش. وستعمل الورقة على تنظيم هذه المداخلات ضمن إطار تحليلي موحد، بحيث لا تقتصر على توثيق ما قيل، وإنما تنتقل من المشكلة إلى التحليل، ومن التحليل إلى الخيار السياسي، ومن الخيار إلى التوصية وآلية التنفيذ.

 

وبناء على ذلك، تركز الورقة على خمسة أسئلة رئيسية:

  1. ما الدور الأمثل للدولة في الاقتصاد السوري خلال المرحلة المقبلة؟
  2. ما النموذج الأكثر ملاءمة للسياسة الصناعية في سوريا؟
  3. كيف تتحول الدولة من مالك ومشغل إلى منظم وممكن للتنمية؟
  4. ما الحدود الاقتصادية والمؤسسية لتدخل الدولة في الأسواق؟
  5. ما أولويات السياسة الاقتصادية في المرحلة الحالية، وما القطاعات التي ينبغي أن تحظى بالأولوية؟

ولا تنطلق الإجابة عن هذه الأسئلة من المفاضلة المجردة بين نموذج “الدولة” ونموذج “السوق”، وإنما من البحث عن نموذج مؤسسي هجين وعملي يحدد وظيفة كل طرف بوضوح: دولة قوية في التنظيم والقانون والرقابة والبنية التحتية والخدمات العامة، وسوق أكثر حرية وتنافسية في الإنتاج والاستثمار والتجارة، وقطاع خاص قادر على قيادة النشاط الاقتصادي ضمن قواعد واضحة وشفافة، مع تدخل حكومي محدد ومبرر عندما تفشل آليات السوق أو عندما تتطلب المصالح الاستراتيجية والتنموية تدخلاً عاماً.

وعليه، فإن المعيار الأساسي الذي ستسعى هذه الورقة إلى اختباره ليس حجم الدولة في الاقتصاد، وإنما جودة تدخلها وكفاءة مؤسساتها وقدرتها على تحقيق النتائج الاقتصادية والاجتماعية. فالدولة القوية اقتصادياً ليست بالضرورة الدولة التي تملك وتشغل أكبر عدد من المؤسسات، كما أن السوق الحر لا يعني غياب الدولة، وإنما يقاس نجاح النموذج بقدرته على خلق بيئة مستقرة للمنافسة والاستثمار والإنتاج، وحماية الحقوق الاقتصادية، وتحقيق النمو وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

ومن هذا المنطلق، تشكل المداخلات التي قدمها المشاركون في الجلسة مادة أساسية لبناء هذه الورقة، وسيتم إدراجها تباعاً وتحليلها ضمن محاورها، وصولاً إلى صياغة مجموعة من الخيارات والتوصيات السياسية ذات الأولوية التي يمكن أن تشكل أساساً للنقاش بين اتحاد غرف التجارة السورية والجهات الحكومية والقطاع الخاص والباحثين والخبراء، وتسهم في بلورة تصور أكثر وضوحاً لدور الدولة والسوق في الاقتصاد السوري خلال المرحلة المقبلة.

 

ثانياُ: أهم الأفكار والمناقشات التي تضمنتها الجلسة:

  • أظهر النقاش أن الثنائية التقليدية بين الدولة والسوق لا توفر وحدها إطاراً كافياً لفهم الخيارات المتاحة أمام الاقتصاد السوري. فقد تباينت الرؤى حول حدود الملكية العامة ودور القطاع الخاص، إلا أن الاتجاه العام للنقاش أظهر أن جوهر المشكلة لا يتعلق بالملكية في حد ذاتها بقدر ما يتعلق بجودة الإدارة، وكفاءة المؤسسات، وفاعلية الحوكمة، وطبيعة الحوافز، ودرجة المنافسة، وقدرة الدولة على وضع قواعد واضحة ومستقرة للنشاط الاقتصادي.
  • وقد استند جانب مهم من النقاش إلى التجارب الدولية التي توضح أن الاقتصادات الناجحة لم تتبع نموذجاً واحداً وثابتاً للعلاقة بين الدولة والسوق. فتجارب دول شرق آسيا، ولا سيما كوريا الجنوبية وسنغافورة والصين، أظهرت أن الدولة يمكن أن تؤدي دوراً تنموياً نشطاً في مراحل التحول الاقتصادي من خلال الاستثمار في البنية التحتية والتعليم ورأس المال البشري، وتوجيه الموارد نحو قطاعات إنتاجية محددة، وتوفير الحوافز للصناعة والتصدير، مع الاعتماد في الوقت نفسه على القطاع الخاص بوصفه محركاً رئيسياً للاستثمار والإنتاج. ويشير ذلك إلى أن تدخل الدولة لا يقاس بحجمه فقط، وإنما بطبيعته وأهدافه وفعاليته ومدى ارتباطه بمؤشرات واضحة للنتائج.
  • وفي المقابل، عكست المناقشات انتقادات واضحة للإرث التاريخي للقطاع العام السوري، ولا سيما ما ارتبط خلال مراحل مختلفة بالبيروقراطية والفساد والمحسوبيات والتدخلات غير الاقتصادية في الإدارة وضعف الحوافز وانخفاض الكفاءة التشغيلية. ووفقا لهذا الاتجاه، فإن استمرار الدولة في امتلاك وتشغيل عدد واسع من الأنشطة التجارية والصناعية يحد من قدرة الاقتصاد على الاستجابة لمتطلبات السوق، ويضعف المبادرة والاستثمار الخاص. ومن ثم، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف دور الدولة بحيث تنتقل تدريجياً من المالك والمشغل المباشر إلى المنظم والمراقب والممكن للنشاط الاقتصادي.
  • إلا أن النقاش المقابل حذر من تحويل هذه الملاحظة إلى حكم عام بأن الملكية العامة تؤدي بالضرورة إلى الفشل. فقد أشير إلى أن التجربة الاقتصادية السورية نفسها شهدت، في مراحل مختلفة، مؤسسات عامة استطاعت تحقيق مستويات ملحوظة من الإنتاج والتصدير في عدد من الصناعات، كما أن التجارب الدولية تقدم نماذج لمؤسسات عامة ناجحة عندما تتوافر لها الإدارة المهنية والاستقلالية والحوكمة والمساءلة. وعليه، فإن تفسير ضعف أداء القطاع العام بالملكية العامة وحدها يمثل تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً، إذ يمكن أن يكون الفساد وضعف الإدارة وغياب المساءلة وتضارب الأدوار بين المالك والمنظم والمدير عوامل أكثر تأثيرا في تحديد النتائج الاقتصادية.
  • ومن هذا المنطلق، برز اتجاه نحو إعادة تقييم مؤسسات القطاع العام على أساس اقتصادي ومؤسسي، بدلاً من تبني سياسة شاملة تقوم على الإبقاء عليها أو تصفيتها. ويقترح هذا النهج تصنيف المؤسسات وفقاً لوظيفتها الاستراتيجية، وقدرتها على المنافسة، وأدائها المالي، وأثرها الاجتماعي، وإمكانية إصلاحها. فالمؤسسات ذات الطبيعة الاستراتيجية أو المرتبطة بالأمن الاقتصادي والبنية التحتية الأساسية قد تستدعي استمرار الملكية العامة أو السيطرة الحكومية، في حين يمكن تحويل المؤسسات التجارية القابلة للمنافسة إلى شركات مساهمة أو إتاحة مشاركة القطاع الخاص فيها، بينما تخضع المؤسسات غير القابلة للاستمرار لإعادة الهيكلة أو الدمج أو التصفية وفق تقييم موضوعي.
  • ويشكل الفصل بين الملكية والإدارة أحد أهم الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من هذا الاتجاه. فاحتفاظ الدولة بالملكية، حيث تبرره اعتبارات استراتيجية أو اجتماعية، لا يستلزم إدارتها اليومية للنشاط الاقتصادي. ويمكن أن تدار المؤسسات العامة وفق قواعد مهنية، ومجالس إدارة مستقلة، وعقود أداء، ومؤشرات كمية ونوعية، وآليات إفصاح ورقابة ومساءلة، بما يسمح باختبار الكفاءة قبل اتخاذ قرارات تتعلق بتغيير الملكية.
  • وفي هذا الإطار، لم ينظر إلى الخصخصة باعتبارها غاية بحد ذاتها، وإنما باعتبارها إحدى الأدوات الممكنة لإعادة هيكلة الاقتصاد. فالخصخصة في سوق تفتقر إلى المنافسة والرقابة قد تؤدي إلى انتقال الاحتكار من القطاع العام إلى القطاع الخاص بدلاً من إنشاء سوق تنافسية. ولذلك فإن نجاح أي عملية خصخصة يتطلب أولاً بناء الإطار التنظيمي الذي يضمن المنافسة، ويحمي المستهلك، ويمنع الاحتكار، ويضمن الشفافية في تقييم الأصول وعمليات البيع أو المشاركة.
  • وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل النقاش حول تفعيل صندوق سيادي لإدارة الأصول العامة. فالاستفادة من الصناديق السيادية الناجحة دولياً تقتضي عدم تحويل الصندوق السيادي السوري إلى وسيلة لإعادة تجميع عدد كبير من الشركات والمؤسسات تحت ملكية حكومية واحدة. وتتمثل القيمة الاقتصادية للصندوق في قدرته على إدارة الأصول الاستراتيجية والاستثمار طويل الأجل وفقاً لقواعد مهنية وشفافة، وليس في زيادة حجم الملكية العامة وتضخم القطاع العام من جديد. ولذلك فإن أي صندوق سيادي سوري ينبغي أن يقوم على تفويض واضح، وحوكمة مستقلة، ومعايير استثمار محددة، وإفصاح مالي ورقابة فعالة.
  • أما على مستوى القطاعات الإنتاجية، فقد أظهر النقاش أن سوريا تحتاج إلى سياسة صناعية جديدة تختلف عن نماذج الحماية التقليدية. فالمطلوب ليس حماية المنشآت المحلية من المنافسة بصورة دائمة، وإنما رفع إنتاجيتها وقدرتها على المنافسة والتصدير. وينبغي أن توجه الحوافز العامة نحو الاستثمار والتكنولوجيا والتحديث وزيادة القيمة المضافة وخلق فرص العمل والتصدير، وأن ترتبط هذه الحوافز بنتائج قابلة للقياس، بحيث يتحول الدعم من التزام دائم على الدولة إلى أداة مؤقتة لبناء القدرة التنافسية.
  • وتبرز هنا أهمية التعامل مع القطاعات الاقتصادية ضمن سلاسل قيمة متكاملة. فدعم إنتاج القطن أو القمح، على سبيل المثال، لا يحقق الأثر التنموي الكامل إذا لم يرتبط بالصناعة التحويلية والتخزين والنقل والتسويق والتصدير. ومن ثم، فإن السياسة الزراعية والصناعية والتجارية يجب ألا تعمل بصورة منفصلة، وإنما ضمن رؤية قطاعية متكاملة تربط الإنتاج الزراعي بالصناعة التحويلية والأسواق المحلية والخارجية.
  • وفي القطاعات الاجتماعية، بدا واضحاً أن منطق السوق لا يمكن تطبيقه بصورة متطابقة على جميع الأنشطة. فالتعليم والصحة والخدمات الأساسية لا تؤدي وظائف اقتصادية فحسب، وإنما تؤدي وظائف اجتماعية تتعلق بالعدالة وتكافؤ الفرص وبناء رأس المال البشري. ومن هنا، فإن توسيع مشاركة القطاع الخاص في تقديم هذه الخدمات لا ينبغي أن يعني انسحاب الدولة من مسؤوليتها الأساسية في ضمان الوصول إليها، ووضع معايير الجودة والاعتماد، وتمويل الفئات الأقل قدرة، والحفاظ على تكافؤ الفرص. وتزداد أهمية هذه الوظيفة في مرحلة ما بعد الصراع، حيث يمكن أن يؤدي الاعتماد المفرط على القدرة الفردية على الدفع إلى تعميق التفاوت الاجتماعي وإضعاف فرص التعافي طويل الأجل.
  • ويظهر قطاع الطاقة بوصفه حالة نموذجية للحاجة إلى الشراكة بين الدولة والسوق. فتهالك البنى التحتية لقطاع الكهرباء لا يمثل مشكلة خدمية فقط، وإنما قيداً مباشراً على الإنتاج الصناعي والزراعي والتجاري والاستثمار. ولذلك فإن إعادة بناء قطاع الطاقة تتطلب استثمارات عامة وخاصة، وتطوير مصادر الطاقة المتجددة، وتحسين الشبكات، ورفع الكفاءة، ووضع إطار تنظيمي يسمح للقطاع الخاص بالمشاركة دون أن تتخلى الدولة عن مسؤوليتها في ضمان أمن الطاقة.
  • كما كشف النقاش عن أن أحد أوجه الضعف الأساسية في الإدارة الاقتصادية السورية يتمثل في تجزؤ القرار الاقتصادي وضعف التنسيق المؤسسي، فالسياسة الاقتصادية لا يمكن أن تحقق نتائج متسقة عندما تعمل السياسة المالية والتجارية والصناعية والزراعية والاستثمارية ضمن مسارات منفصلة. ومن هنا برزت الحاجة إلى آلية وطنية للتنسيق التنموي تجمع المؤسسات الحكومية والجهات الاقتصادية والقطاع الخاص والخبراء، بحيث تصبح السياسات القطاعية أجزاء مترابطة من استراتيجية اقتصادية واحدة، مع تحديد واضح للمسؤوليات ومؤشرات الأداء وآليات المتابعة.
  • وترتبط كفاءة هذا التنسيق بقدرة الدولة على استخدام البيانات الاقتصادية. فالسجل التجاري وقواعد بيانات الضرائب والجمارك والاستثمار والإنتاج والتجارة الخارجية تمثل، إذا جرى ربطها وتحديثها، بنية أساسية لصنع السياسة الاقتصادية. ولذلك ينبغي الانتقال من اتخاذ القرارات استناداً إلى التقديرات والانطباعات إلى سياسات مبنية على البيانات والأدلة، بما يسمح بتحديد القطاعات الواعدة، وقياس أثر السياسات، وتوجيه الدعم، ورصد التغيرات في النشاط الاقتصادي.
  • وفي ضوء ذلك كله، يمكن استخلاص أن الخلاف حول الدولة والسوق ينبغي ألا يقود إلى تبني أحدهما وإقصاء الآخر، بل إلى إعادة توزيع الوظائف الاقتصادية بينهما على أساس الكفاءة والمصلحة العامة. فالدولة ينبغي أن تكون قوية في وظائفها السيادية والتنظيمية والاجتماعية والاستراتيجية، بينما ينبغي أن يكون القطاع الخاص أكثر حضوراً في الاستثمار والإنتاج والتجارة والتصدير والابتكار. وتتمثل وظيفة الدولة الأساسية في بناء البيئة التي تجعل المنافسة ممكنة، وتحميها من الاحتكار، وتضمن تكافؤ الفرص، وتتعامل مع إخفاقات السوق، وتوجه الموارد العامة نحو المجالات التي تحقق أعلى عائد اقتصادي واجتماعي.
  • وعليه، فإن النموذج الأكثر ملاءمة للمرحلة السورية المقبلة يمكن وصفه بأنه اقتصاد سوق تنافسي ذو توجه تنموي، نموذج لا يقوم على عودة الدولة إلى دورها كمالك ومشغل شامل، ولا على انسحابها الكامل من الاقتصاد، وإنما على بناء دولة تنموية رشيقة، قادرة على التخطيط والتنظيم والاستثمار في رأس المال البشري والبنية التحتية والقطاعات الاستراتيجية، مع إطلاق مساحة واسعة أمام قطاع خاص منتج وتنافسي.
  • ويفترض هذا التحول ترتيب الإصلاحات زمنياً. فلا يمكن الانتقال مباشرة إلى سوق تنافسية متكاملة في ظل ضعف المؤسسات والبنية التحتية والقدرة الإنتاجية. وتحتاج سوريا أولا إلى مرحلة إصلاح مؤسسي وحوكمة، تليها مرحلة للتعافي وإعادة بناء البنية الأساسية والقدرة الإنتاجية، ثم مرحلة لبناء التنافسية والتصدير والاندماج في الاقتصاد الإقليمي والدولي. وبذلك يصبح تدخل الدولة في المرحلة الانتقالية أداة لبناء قدرة السوق مستقبلاً، وليس بديلاً دائماً عنه.
  • وتخلص الورقة إلى أن السؤال الاقتصادي الأكثر ملاءمة للمرحلة المقبلة ليس الدولة أم السوق؟ وإنما: ما دور الدولة الذي تحتاجه سوريا، وما السوق الذي تحتاجه، وكيف يمكن تنظيم العلاقة بينهما لتحقيق النمو والعدالة والاستدامة.
  • والإجابة التي تبرز من مجمل النقاش هي أن سوريا تحتاج إلى دولة قوية مؤسسياً، رشيقة في ملكيتها التشغيلية، فاعلة في وظائفها الاجتماعية والتنموية والاستراتيجية، وقطاع خاص قوي وتنافسي يقود الاستثمار والإنتاج، ضمن إطار صارم من الحوكمة والمنافسة والشفافية والمساءلة.
  • وبذلك لا تصبح إعادة هيكلة الاقتصاد السوري عملية انتقال من «الدولة إلى السوق»، وإنما انتقالاً أعمق من اقتصاد ضعيف الحوكمة إلى اقتصاد مؤسسي تنافسي، ومن الدولة المشغلة إلى الدولة المنظمة والممكنة، ومن القطاع الخاص الباحث عن الامتيازات إلى القطاع الخاص القادر على المنافسة والإنتاج والتصدير.

 

ثالثاً: الخلاصة السياساتية

بناء على ذلك، تقترح الورقة أن تركز المرحلة المقبلة على سبع سياسات مترابطة:

أولا: إعادة تعريف دور الدولة على أساس الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية، وليس على أساس حجم الملكية.

ثانيا: إعادة هيكلة القطاع العام وفق تقييم مؤسسي ومالي واستراتيجي، مع الفصل بين الملكية والإدارة واعتماد الحوكمة المهنية.

ثالثا: بناء بيئة تنافسية تتيح للقطاع الخاص قيادة الاستثمار والإنتاج والتصدير، مع مكافحة الاحتكار ومنع تشوهات السوق.

رابعا: اعتماد سياسة صناعية وزراعية متكاملة تركز على الإنتاجية وسلاسل القيمة والقيمة المضافة والتصدير، وليس على الحماية الدائمة.

خامسا: الحفاظ على الدور السيادي للدولة في التعليم والصحة والطاقة والأمن الغذائي والبنية التحتية حيث يلزم بالتنسيق ومشاركة حقيقية مع القطاع الخاص، حيث تحقق قيمة مضافة.

سادسا: إنشاء إطار مؤسسي للتنسيق الاقتصادي والتنموي، مدعوم بمنظومة وطنية للبيانات ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

سابعا: جعل الحوكمة والإصلاح المؤسسي شرطاً سابقاً لأي توسع في الخصخصة أو الملكية الحكومية أو إنشاء صناديق لإدارة الأصول العامة.

 

الخلاصة:

النموذج المطلوب لسوريا ليس دولة تملك الاقتصاد، ولا سوقا تترك الدولة على هامشه، بل دولة تنموية تحكم السوق، وسوق تنافسية تقود الإنتاج، وقطاع خاص يستثمر وينتج، ومؤسسات عامة تعمل بكفاءة عندما تبرر المصلحة العامة استمرارها، وحوكمة تمنع الفساد والاحتكار في كلا القطاعين.

 

 


img