أبرز التطورات الاقتصادية في شهر حزيران 2026
التقرير الشهري | حزيران 2026
يقدم هذا التقرير قراءة تحليلية لأداء الاقتصاد السوري خلال شهر حزيران 2026، استناداً إلى الرصد للتطورات الاقتصادية المحلية والإقليمية والدولية على امتداد الشهر. يعتمد التقرير تبويباً موضوعياً يجمع التطورات وفق محاورها الاقتصادية الكلية النقد والمصارف، المالية العامة، الاستثمار الأجنبي، الطاقة، البنية التحتية، والبيئة الدولية مع الاقتصار على التطورات الأكثر دلالة من حيث أثرها المحتمل على ميزان المدفوعات والموازنة العامة واستقرار سعر الصرف.
تعتمد الأرقام والوقائع الواردة في هذا التقرير على مصادرها الرسمية، ويقوم التقرير بالربط التحليلي بينها وقراءتها ضمن إطار اقتصادي كلي موحد.
اتسم شهر حزيران 2026 بتقدم على مسار إعادة بناء الثقة المؤسسية بالاقتصاد السوري، وذلك من خلال ثلاث محطات رئيسية: استكمال إعادة الهيكلة النقدية عبر تمديد مهلة استبدال العملة وإعادة افتتاح فروع مصرفية في محافظات ظلت خارج الشبكة المصرفية الرسمية لأكثر من عقد، واختتام بعثة صندوق النقد الدولي بتحديد خارطة إصلاح ضريبي وجمركي ممتدة على 24 شهراً، وإعادة ربط القطاع المالي السوري بالأسواق الدولية عبر أول عقد لإعادة التأمين في سوق لويدز منذ 15 عاماً. تندرج هذه المحطات رغم تباين طبيعتها ضمن وظيفة اقتصادية واحدة هي خفض مستوى المخاطر (risk premium) التي يحتسبها أي ممول أو مستثمر خارجي، وهو ما يفسر التزامن اللافت بين الإصلاح المؤسسي الداخلي وتوسع دائرة الشراكات الاستثمارية مع الخليج وأوروبا وآسيا خلال الشهر ذاته.
كما فرضت البيئة الدولية قيداً مضاداً على العائد المتوقع من هذا الانفتاح. فبينما خفف الاتفاق الأمريكي–الإيراني وإعادة فتح مضيق هرمز من حدة المخاطر الجيوسياسية على أسواق الطاقة، بما ينعكس نظرياً على فاتورة استيراد سورية من المشتقات النفطية، فإن استمرار قوة الدولار الأمريكي وترقب تشديد إضافي للسياسة النقدية الأمريكية في اجتماع أيلول المقبل يرفعان كلفة أي تمويل خارجي مقوم بالدولار، سواء عبر الصكوك أو القروض الميسرة. وبذلك تحرك الاقتصاد السوري خلال الشهر بين قناتين متعاكستي الأثر: تراجع نسبي في كلفة الطاقة المستوردة، وارتفاع نسبي في كلفة رأس المال الخارجي.
على مستوى المالية العامة، مثلت زيادة المعاشات التقاعدية بنسبة 30% أبرز قرار يحمل كلفة مالية مباشرة على الموازنة خلال الشهر، في مقابل إجراءات أخرى ذات طابع ترشيدي كتعديل مواصفات ربطة الخبز لخفض استهلاك المحروقات دون المساس بحجم الدعم المقدم للمستهلك النهائي.
ويبقى المعيار الحاسم لتقييم حصيلة الشهر غير متعلق بعدد مذكرات التفاهم والاتفاقيات الموقعة، بل بسرعة تحولها إلى تدفقات مالية واستثمارية فعلية قابلة للقياس في ميزان المدفوعات وموازنة الدولة؛ إذ لا تزال أغلب المحطات المسجلة خلال الشهر في طور التفاهم أو الإطار التعاقدي الأولي، لا التنفيذ الفعلي.
شكل تمديد مصرف سورية المركزي مهلة استبدال فئات العملة القديمة ثلاثين يوماً إضافية اعتباراً من 1 تموز 2026 خطوة ذات بعد تقني ونقدي في آن: فمن الناحية العملية، يخفف التمديد الاختناقات التشغيلية في مراكز الاستبدال ويقلل احتمال تسرب الفئات القديمة إلى التداول خارج القنوات الرسمية خلال المرحلة الانتقالية؛ أما من الناحية البنيوية، فإن الحاجة إلى هذا التمديد مؤشر على أن عملية توحيد العملة لم تكتمل بعد ضمن الجدول الزمني الأولي المعلن، وهو ما يبقي قيداً مؤقتاً على عمق السوق النقدية المحلية ويؤخر اكتمال أحد الشروط الأساسية لانضباط أدوات السياسة النقدية.
بالتوازي، مثلت إعادة افتتاح فرع المصرف المركزي في مدينة الرقة — بعد انقطاع دام أكثر من 14 عاماً خطوة ذات طابع مختلف يتعلق بالشمول المالي الجغرافي لا بالسياسة النقدية بحد ذاتها. فربط محافظة ظلت خارج الشبكة المصرفية الرسمية لسنوات طويلة يعيد إدماجها ضمن دائرة المعاملات الحكومية والمصرفية الرسمية، بما يرفع نظرياً الطلب على العملة المحلية داخل الاقتصاد الرسمي على حساب قنوات التداول غير الرسمية، وإن كان قياس الأثر الفعلي لذلك على الكتلة النقدية المتداولة رسمياً يتطلب بيانات تنفيذية لاحقة لا تتوفر بعد.
تكتمل هذه الصورة بخطوة أقل وضوحاً من حيث الأثر الكلي المباشر لكنها دالة على اتجاه الحوكمة: التنسيق المعلن بين حاكم المصرف المركزي ورئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش بشأن تطوير منظومة الرقابة الداخلية، والذي يندرج إذا ما ترجم إلى أطر تنظيمية تنفيذية فعلية ضمن الشروط المسبقة التي تشترطها المؤسسات المالية الدولية عادة لتوسيع برامج الدعم الفني والتمويل الميسر.
يمثل اختتام بعثة صندوق النقد الدولي زيارتها لسورية بتحديد ثمانية مجالات رئيسية للإصلاح في هيكل الإدارة الضريبية والجمركية — على أن تنفذ خلال 24 شهراً — أهم محطة مؤسسية خلال الشهر من حيث أثرها المتوقع على الإيرادات العامة ومصداقية الإصلاح المالي أمام الممولين الدوليين. فوجود خارطة طريق زمنية محددة، بخلاف التفاهمات العامة التي سادت مع الاتحاد الأوروبي والحكومة الألمانية ومجلس الخدمات المالية الإسلامية بشأن التمويل الإسلامي والصكوك، يحول العلاقة مع المؤسسات الدولية من مسار تشاوري إلى برنامج قابل للمتابعة والقياس، وهو تمييز جوهري من منظور تقييم المخاطر السيادية.
وأيضاً يحمل إبرام المؤسسة العامة السورية للتأمين أول عقد لإعادة التأمين مع شركات عالمية في سوق لويدز البريطاني بعد توقف دام 15 عاماً دلالة تتجاوز قطاع التأمين ذاته.. فإعادة التأمين الدولي شرط تشغيلي لعودة الطيران التجاري السوري إلى أسواق التأمين العالمية بأسعار تنافسية، وغيابه لسنوات كان يعني تحمل مخاطر تشغيلية غير مغطاة أو كلفة تأمين محلي أعلى. أما تسوية ملف قروض بنك الاستثمار الأوروبي المتعثرة، فتزيل عقبة تقنية كانت تحول دون استئناف علاقة تمويلية مباشرة مع أحد أذرع التمويل التنموي الأوروبي.
تتقاطع هذه المحطات الثلاث برنامج صندوق النقد، وإعادة التأمين، وتسوية القروض المتعثرة عند وظيفة واحدة: كل منها يزيل عقبة تقنية أو مؤسسية محددة كانت تحول دون تصنيف سورية كوجهة تمويل واستثمار قابلة للتقييم بمعايير السوق الدولية المعتادة، بصرف النظر عن حجم التدفقات الفعلية التي قد تترتب عليها لاحقاً.
جدول 1: أبرز محطات الإصلاح المؤسسي والمالي خلال حزيران 2026
| المحطة | الجهة المعنية | الدلالة الاقتصادية |
| تمديد مهلة استبدال العملة 30 يوماً اعتباراً من 1 تموز 2026 | مصرف سورية المركزي | استكمال التحول النقدي وتقليص مخاطر التداول خارج القنوات الرسمية |
| إعادة افتتاح فرع المصرف المركزي في الرقة بعد 14 عاماً | مصرف سورية المركزي | توسيع الشمول المالي الجغرافي |
| اختتام بعثة صندوق النقد الدولي: 8 مجالات إصلاح ضريبي وجمركي على 24 شهراً | وزارة المالية / صندوق النقد الدولي | خارطة إصلاح هيكلي زمنية قابلة للقياس والمتابعة |
| أول عقد إعادة تأمين في سوق لويدز بعد توقف 15 عاماً | المؤسسة العامة السورية للتأمين | إعادة الربط بأسواق التأمين وإعادة التأمين الدولية |
| تسوية ملف قروض بنك الاستثمار الأوروبي المتعثرة | وزارة المالية / بنك الاستثمار الأوروبي | إزالة عائق تقني أمام استئناف التمويل التنموي الأوروبي |
| تفاهم على إلغاء الأثر الرجعي لرسم الإنفاق الاستهلاكي | وزارة المالية / اتحاد غرف التجارة السورية | تخفيف العبء الضريبي على القطاع الخاص بعد التحرير |
| تنسيق الرقابة الداخلية بين المصرف المركزي والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش | مصرف سورية المركزي | تعزيز حوكمة القطاع المصرفي والحد من مخاطر الفساد الإداري |
المصدر: تجميع الباحث استناداً إلى تقارير الرصد الأسبوعي لشهر حزيران 2026.
مثلت زيادة المعاشات التقاعدية بنسبة 30%، بموجب التعليمات التنفيذية للمرسوم التشريعي رقم 135 لعام 2026، أكبر قرار ذو كلفة مالية مباشرة خلال الشهر. وحدد المرسوم حداً أدنى للمعاش عند 12,560 ليرة سورية جديدة، وسقفاً أعلى للزيادة في القطاع الخاص عند 4,227 ليرة، على أن يبدأ الصرف الفعلي مع معاشات الأسبوع الأخير من حزيران. من منظور المالية العامة، يمثل هذا القرار توسعاً في بند الإنفاق الجاري في توقيت يتزامن مع محاولات موازية لضبط بنود إنفاق أخرى، أبرزها تعديل مواصفات ربطة الخبز بخفض عدد الأرغفة من عشرة إلى ثمانية مع إبقاء الوزن الإجمالي والسعر دون تغيير وهو إجراء يخفض الكلفة التشغيلية للمخابز واستهلاكها من المحروقات دون المساس المباشر بحجم الدعم الذي يحصل عليه المستهلك النهائي، أي أنه ترشيد من جانب العرض (كلفة الإنتاج) لا من جانب الطلب (حصة المستهلك).
يعكس تزامن الإجراءين توجهاً مزدوجاً في إدارة المالية العامة خلال المرحلة الحالية: توسيع محدود ومستهدف في الإنفاق الاجتماعي المباشر بالتوازي مع ترشيد غير ظاهر في بنود الدعم غير المباشر، بما يحافظ نسبياً على الحياد المالي الصافي لهذين الإجراءين مجتمعين.
جدول 2: مؤشرات زيادة المعاشات التقاعدية — المرسوم التشريعي رقم 135 لعام 2026
| المؤشر | القيمة |
| نسبة الزيادة المقطوعة | 30% |
| الحد الأدنى للمعاش | 12,560 ليرة سورية جديدة |
| سقف الزيادة في القطاع الخاص | 4,227 ليرة سورية جديدة |
| الفئات المشمولة | العسكريون والمدنيون وأصحاب معاشات العجز والورثة |
| تاريخ بدء الصرف الفعلي | مع معاشات الأسبوع الأخير من حزيران 2026 |
المصدر: التعليمات التنفيذية للمرسوم التشريعي رقم 135 لعام 2026، وزارة المالية.
شهدت حركة الاستثمار الأجنبي خلال حزيران بنمط تنويع جغرافي واضح، امتد من الخليج العربي (الإمارات، مصر، الكويت، السعودية) إلى أوروبا (فرنسا، بلجيكا، هولندا، ألمانيا، النمسا والاتحاد الأوروبي) وصولاً إلى آسيا (الصين)، مع مشاركة مؤسسات تمويل دولية كالبنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية في عدد من المباحثات. يتيح هذا التنويع، من الناحية النظرية، تقليل الاعتماد على مصدر تمويل خارجي واحد وتوزيع مخاطر التمويل على قنوات متعددة، إلا أن الغالبية العظمى من هذه المباحثات ما زالت في طور التفاهمات ومذكرات النوايا لا العقود التنفيذية الملزمة، باستثناء حالات محدودة كتوقيع 21 عقداً لمشروعات إعادة الإعمار خلال معرض “بيلدكس 24” وعقد تطوير حقول الغاز الموقع بين الشركة السورية للنفط وشركتين دوليتين.
من حيث التوزيع القطاعي، تركزت المباحثات على الصناعة والطاقة والسياحة والزراعة والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي، مع بروز لافت للمدن الصناعية كإطار تعاقدي متكرر — المنطقة الصناعية الحرفية في الرقة ضمن “رؤية الرقة 2030” ومركز الأعمال الدولي السوري للمدن الصناعية الذكية بالشراكة مع الصين في دمشق وحلب وهو ما يشير إلى تفضيل شراكات القطاع الخاص السوري لنموذج التوأمة الصناعية بوصفه قناة لنقل الخبرة التقنية والتنظيمية، لا الاستثمار المالي المباشر فحسب.
جدول 3: خريطة الشراكات الاستثمارية حسب الإقليم خلال حزيران 2026
| الإقليم / الشريك | أبرز الملفات المطروحة | طبيعة الالتزام |
| دول الخليج (الإمارات، السعودية، الكويت) | ممر لوجستي بري (أم قصر–خليفة)، استثمار تعديني، نقل وسياحة وزراعة | مباحثات ولقاءات ميدانية متقدمة |
| مصر | مناطق صناعية متكاملة، مشروعات إعادة إعمار | مذكرات تفاهم |
| أوروبا (فرنسا، بلجيكا، هولندا، ألمانيا، النمسا، الاتحاد الأوروبي) | تعاون تجاري واستثماري، دعم فني للمؤسسات المالية، تأهيل المنافذ الحدودية | لقاءات ومباحثات إطارية |
| الصين | مركز أعمال دولي للمدن الصناعية الذكية (دمشق وحلب)، تسهيل تأشيرات رجال الأعمال | إطلاق فعلي للمرحلة الأولى |
| تركيا | الربط السككي الإقليمي، حوض بناء سفن في طرطوس، دخول مشروعات إعادة الإعمار | مباحثات فنية متقدمة |
| مؤسسات دولية (البنك الدولي، البنك الإسلامي للتنمية، مجلس الخدمات المالية الإسلامية) | الاقتصاد الرقمي واللوجستيات، الصكوك والتمويل الإسلامي | مباحثات تأسيسية |
| عقود تنفيذية موقعة فعلياً | 21 عقد إعادة إعمار (معرض بيلدكس 24)، عقد تطوير حقول غاز مع شركتين دوليتين | التزام تعاقدي ملزم |
المصدر: تجميع الباحث استناداً إلى تقارير الرصد الأسبوعي لشهر حزيران 2026.
شهد قطاع الطاقة محطتين تستحقان القراءة المشتركة: توقيع الشركة السورية للنفط عقداً لتطوير عدد من حقول الغاز مع شركتين دوليتين بهدف زيادة إمدادات الغاز لمحطات توليد الكهرباء، وإصدار وزير الطاقة قراراً بتشكيل لجنة دائمة لتحديث أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية دورياً بعضوية وزارات المالية والاقتصاد والمصرف المركزي. يعالج القرار الأول جانب العرض المحلي من الغاز، وهو ما يخفف تدريجياً الاعتماد على الاستيراد لتشغيل محطات الكهرباء، بينما يؤسس القرار الثاني لآلية تسعير أكثر مرونة تستوعب تقلبات سعر الصرف وتكاليف الإنتاج والأسعار العالمية، أي أنه يمهد لتمرير أكثر انتظاماً لتقلبات السوق الدولية إلى الأسعار المحلية للمشتقات النفطية، بدل التجميد الإداري الذي يراكم فجوة تمويلية خفية على الموازنة عند كل صدمة سعرية خارجية.
يوضح هذا المحور توجه استراتيجي واضح المعالم، فقد جمعت المباحثات مع الجانبين السعودي والإماراتي حول مشروع الربط السككي الإقليمي (سورية–الأردن–تركيا–السعودية) وممر لوجستي بري يربط الموانئ السورية بميناءي أم قصر العراقي وخليفة الإماراتي، إلى جانب مباحثات مع الجانبين الهولندي والتركي حول تأهيل المنافذ الحدودية وإنشاء حوض بناء سفن في مرفأ طرطوس، وعودة سورية لحضور اجتماعات مجلس منظمة الجمارك العالمية في بروكسل بعد سنوات من الانقطاع. يضاف إلى ذلك برنامج تنفيذي لإعادة تأهيل شبكة الطرق المركزية، وعلى رأسها المحور الدولي (5M) من نصيب إلى باب الهوى ومحور دمشق–تدمر–دير الزور، باعتماد تقنيات تدوير الإسفلت لخفض كلفة رأس المال واستهداف عمر تشغيلي يصل إلى 15 عاماً.
تتجه هذه المسارات مجتمعة نحو هدف واحد: الاستفادة من الموقع الجغرافي لسورية كميزة تنافسية لوجستية كونها ممر ترانزيت إقليمي يربط الخليج بالبحر المتوسط عبر العراق والأردن من جهة، وتركيا وأوروبا من جهة أخرى. والفارق الجوهري بين هذا التوجه ونظيره في الشراكات الاستثمارية العامة هو طبيعته الرأسمالية الثابتة: فمشروعات الموانئ والسكك والطرق تنشئ أصولاً طويلة الأمد يصعب عكس اتجاهها لاحقاً، بخلاف تدفقات الاستثمار المباشر الأكثر حساسية لتقلبات المخاطر القصيرة الأجل.
هيمن على المشهد الاقتصادي العالمي خلال حزيران حدث محوري واحد: الإعلان عن الاتفاق الأمريكي–الإيراني وبدء إعادة فتح مضيق هرمز، عقب رفع الولايات المتحدة الحصار البحري المفروض على إيران. ورغم ترحيب صندوق النقد الدولي بالاتفاق، أشارت مديرته إلى أن استعادة مستويات الإنتاج السابقة في قطاع الطاقة الإقليمي ستحتاج وقتاً بفعل الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وهو تحذير تؤكده البيانات التشغيلية الفعلية للشهر: استهدفت قطر للطاقة استعادة 50% من طاقتها التشغيلية للغاز المسال خلال شهر واحد، و80% خلال شهرين فقط ورفعت أدنوك الإماراتية مبيعاتها الفورية من النفط الخام إلى 48 مليون برميل عبر مسارات نقل بديلة خارج المضيق واستأنفت أرامكو السعودية التحميل من ميناء رأس تنورة بعد توقف أربعة أشهر فيما ارتفع إجمالي صادرات الخليج النفطية نحو 20% إلى 508 آلاف برميل يومياً وفق بيانات كبلر، لتبقى مع ذلك دون متوسطها المعتاد قبل الأزمة. بالتوازي، اعتمدت وزارة النفط العراقية خطة لإعادة الإنتاج إلى مستويات ما قبل الحرب، وسجلت ليبيا أعلى معدل إنتاج نفطي منذ عام 2013.
جدول 4: مؤشرات تعافي إمدادات الطاقة الإقليمية بعد إعادة فتح مضيق هرمز
| الجهة | المؤشر المسجل خلال الشهر |
| قطر للطاقة | استهداف استعادة 50% من الطاقة التشغيلية للغاز المسال خلال شهر، و80% خلال شهرين |
| أدنوك (الإمارات) | رفع المبيعات الفورية من النفط الخام إلى 48 مليون برميل عبر مسارات نقل بديلة خارج المضيق |
| أرامكو السعودية | استئناف التحميل من ميناء رأس تنورة بعد توقف 4 أشهر |
| مؤسسة البترول الكويتية | بيع شحنة قدرها 2 مليون برميل لصالح الهند |
| إجمالي صادرات الخليج (بيانات كبلر) | ارتفاع نحو 20% إلى 508 آلاف برميل يومياً، ودون المتوسط المعتاد قبل الأزمة |
| وزارة النفط العراقية | اعتماد خطة لإعادة الإنتاج إلى مستويات ما قبل الحرب |
| ليبيا | أعلى معدل إنتاج نفطي مسجل منذ عام 2013 |
المصدر: تجميع الباحث استناداً إلى بيانات الشركات المذكورة ووكالة كبلر.
من منظور الاقتصاد السوري، يحمل هذا التعافي التدريجي أثراً مزدوجاً: فمن جهة، يخفف تراجع حدة الضغوط الجيوسياسية من مخاطر الصدمات السعرية المفاجئة على فاتورة استيراد المشتقات النفطية ومن جهة أخرى، فإن بطء الاستعادة الكاملة للطاقة الإنتاجية يعني أن الأثر الإيجابي المتوقع على ميزان المدفوعات سيظهر تدريجياً لا دفعة واحدة، بما يحد من أي تعويل قصير الأجل عليه لدعم استقرار سعر الصرف.
في المقابل، فرضت السياسة النقدية الأمريكية قيداً مضاداً على هذا التحسن إذ أظهر مسح لمجلس الاحتياطي الفيدرالي شمل 500 شركة أن 70% منها أفادت باستقرار أو نمو الطلب الاستهلاكي رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج، في مؤشر على صمود الاقتصاد الأمريكي أمام صدمة أسعار الطاقة، مقابل تراجع توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.8% من 2.1% سابقاً. وقد عزز هذا الصمود توقعات المستثمرين برفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل خلال أيلول، وهو ما يبقي الدولار مدعوماً نسبياً ويرفع كلفة أي تمويل خارجي مقوم بالدولار تسعى إليه سورية عبر الصكوك أو القروض الميسرة أو المؤسسات المالية الدولية، حتى في ظل تراجع الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة. وقد تجلى هذا التجاذب بوضوح في تقلبات أسعار الذهب خلال الشهر، التي تحركت صعوداً وهبوطاً تبعاً لتوازن القوى بين تراجع التوترات الجيوسياسية الدافع لتراجع الطلب على الملاذات الآمنة، وتوقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية الداعمة لقوة الدولار.
جدول 5: حركة أسعار الذهب خلال حزيران 2026 (دولار للأونصة)
| التاريخ | السعر | المحرك الرئيسي |
| 15 حزيران | 4,297 دولار | إعلان اتفاق السلام الأمريكي–الإيراني المبدئي |
| 17 حزيران (الذروة الأسبوعية) | 4,338 دولار | استضافة سويسرا مراسم التوقيع وتراجع مخاوف رفع الفائدة |
| 19 حزيران (أدنى مستوى أسبوعي) | 4,145 دولار | مؤشرات داعمة لتشديد السياسة النقدية الأمريكية وقوة الدولار |
| 22 حزيران | تعافٍ جزئي 0.9%+ | بيان قطري–باكستاني إيجابي بشأن إنهاء الحرب |
المصدر: تجميع الباحث استناداً إلى بيانات أسواق المعادن الثمينة.
تضاف إلى هذين العاملين محركات أبطأ أثراً لكنها ذات دلالة بنيوية: أشار بنك غولدمان ساكس إلى أن تسارع مبيعات السيارات الكهربائية عالمياً — التي بلغت حصتها السوقية 26.1% الشهر الماضي بقيادة الصين — قد يخفض الطلب العالمي على النفط بما يتراوح بين 0.13 و0.32 مليون برميل يومياً بحلول أواخر 2027، في مؤشر على أن صدمة أسعار الطاقة الحالية قد تترك أثراً هيكلياً طويل الأمد على تركيبة الطلب العالمي على النفط لصالح البدائل الكهربائية، بصرف النظر عن مسار التعافي الإقليمي قصير الأجل. كما لوح الرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية مرتفعة على واردات المشروبات الفرنسية على خلفية الخلاف بشأن الضريبة الرقمية، في تذكير باستمرار حالة عدم اليقين التجاري العالمي التي تحد من شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة عموماً.
على المستوى الإقليمي المباشر، برز صعود صناعي وتصديري تركي لافت صادرات دفاعية وطيران بلغت 6.7 مليار دولار في 2025 قادتها 11 شركة، وترتيب متقدم عالمياً في طاقتي الرياح والشمس إلى جانب تقدم السعودية في مؤشرات التنافسية العالمية لعام 2026. يحمل هذا الصعود دلالة مزدوجة لسورية: فمن جهة، يعزز مكانة تركيا كبوابة تصديرية محتملة للمنتجات السورية نحو أوروبا، خاصة مع سعي تركيا لرفع تبادلها التجاري مع إيطاليا إلى 40 مليار دولار ومن جهة أخرى، يرفع سقف المنافسة الإقليمية على استقطاب رأس المال ذاته الذي تسعى سورية لجذبه، بما يجعل وتيرة الإصلاح المؤسسي المحلي شرط منافسة مباشرة لا خياراً تفاضلياً.
لا يمكن قراءة تطورات حزيران 2026 بمعزل عن المعادلة البنيوية التي لا يزال الاقتصاد السوري يتحرك ضمنها: فجوة ادخار–استثمار محلية واسعة، تغطى تقليدياً عبر التمويل الخارجي بدل التمويل النقدي المباشر، في ظل عملية إعادة هيكلة نقدية لم تكتمل بعد ولا تزال تفرض قيوداً على عمق السوق النقدية المحلية. ووفق هذا الإطار، يمكن تصنيف محطات الشهر ضمن ثلاث قنوات متمايزة الوظيفة وإن تقاطعت في الأثر النهائي.
القناة الأولى — قناة الثقة المؤسسية: تضم كل إجراء يخفض علاوة المخاطر التي يحتسبها الممول أو المستثمر الخارجي دون أن ينطوي بالضرورة على تدفق مالي مباشر: برنامج صندوق النقد الدولي، وتسوية قروض بنك الاستثمار الأوروبي، وتعزيز الرقابة المصرفية الداخلية، وإعادة الربط بأسواق إعادة التأمين الدولية. أثر هذه القناة كامن لا مباشر، إذ يظهر تدريجياً في شروط أفضل للتفاوض على تمويل مستقبلي لا في تدفق فوري ملموس.
القناة الثانية — قناة الاستبدال التمويلي: تضم كل دولار أو تمويل ميسر يستقطب عبر الشراكات الاستثمارية والصكوك المرتقبة، بوصفه بديلاً عن التمويل التضخمي الذي كان سيلجأ إليه الاقتصاد لسد الفجوة ذاتها عبر توسيع القاعدة النقدية المحلية. وكل تأخر في تحويل مذكرات التفاهم الموقعة مع الصين ومصر والإمارات وفرنسا وبلجيكا وغيرها إلى عقود تنفيذية فعلية، يعني إبقاء الاقتصاد أقرب إلى بديله التضخمي الأكثر كلفة.
القناة الثالثة — قناة الطاقة المستوردة: ترتبط مباشرة بمسار تعافي إمدادات الطاقة الإقليمية عقب إعادة فتح مضيق هرمز؛ فأي تراجع في فاتورة استيراد المشتقات النفطية يخفف الضغط على الطلب على النقد الأجنبي بصورة مباشرة وأسرع نسبياً من القناتين الأولى والثانية، وهو ما يمنح مصرف سورية المركزي هامش مناورة أوسع لدعم استقرار سعر الصرف دون اللجوء إلى أدوات أكثر كلفة.
بيد أن هذه القنوات الثلاث تعمل جميعها تحت سقف واحد يحد من عائدها الصافي: كلفة رأس المال الخارجي المقوم بالدولار، والتي يحكمها مسار السياسة النقدية الأمريكية لا الظروف المحلية السورية. فاستمرار قوة الدولار وترقب رفع إضافي لأسعار الفائدة الأمريكية في اجتماع أيلول يعني أن أي تمويل تستقطبه سورية عبر القناة الثانية سيأتي بكلفة أعلى نسبياً مما لو استقطب في بيئة نقدية عالمية أكثر تيسيراً، بصرف النظر عن جودة الإصلاح المؤسسي المحلي ذاته. وبعبارة أخرى تحسن سعر المخاطر السورية عبر القناة الأولى يتقاطع مع ارتفاع سعر المال العالمي، بحيث يتحدد العائد الصافي بمحصلة الاتجاهين لا بأي منهما منفرداً.
يضاف إلى ذلك بعد تنافسي إقليمي متصاعد: فتعافي القدرة التصديرية الخليجية، والصعود الصناعي التركي، وتقدم السعودية في مؤشرات التنافسية العالمية، ترفع جميعها العتبة التي يقيس عليها المستثمر الإقليمي والدولي أي فرصة استثمارية بديلة في سورية. وهذا يعني أن استكمال الإصلاح المؤسسي المحلي بوتيرة تواكب هذه المعايير الإقليمية لم يعد خياراً تفاضلياً يمكن تأجيله، بل شرط منافسة مباشرة على مصدر رأس المال ذاته الذي تتنافس عليه اقتصادات الإقليم كافة.
خلاصة هذا الإطار التحليلي أن حزيران 2026 وفر تقدماً معتبراً على مستوى الأساسيات المؤسسية التي تحدد أهلية سورية الائتمانية على المدى المتوسط، لكن هذا التقدم لم يترجم بعد ولا يمكن أن يترجم خلال شهر واحد إلى تحسن قابل للقياس في المتغيرات النقدية الفعلية: التضخم، وسعر الصرف الموازي، وعمق السوق المصرفية. ويبقى المعيار الحقيقي لنجاح هذا المسار مرهوناً بمراقبة مؤشرين اثنين خلال الأشهر المقبلة: نسبة تحول مذكرات التفاهم الموقعة إلى عقود تنفيذية فعلية، ومدى انعكاس تحسن فاتورة الطاقة المستوردة على مؤشرات ميزان المدفوعات الفصلية عند صدورها.
في ضوء ما تقدم، يمكن تحديد أربع مجموعات مخاطر تستحق المتابعة خلال المرحلة المقبلة:
أولاً، مخاطر التنفيذ: احتمال تباطؤ تحويل مذكرات التفاهم والاتفاقيات الإطارية الموقعة خلال حزيران إلى عقود تنفيذية وتدفقات مالية فعلية، بما قد يبقي الاقتصاد السوري في نطاق الوعود الاستثمارية دون أثر ملموس على ميزان المدفوعات.
ثانياً، مخاطر خارجية نقدية: ارتباط كلفة أي تمويل خارجي مقوم بالدولار بمسار السياسة النقدية الأمريكية، وتحديداً بقرار الاحتياطي الفيدرالي المرتقب في اجتماع أيلول، والذي قد يرفع كلفة الاقتراض الدولاري في توقيت غير موات لأي إصدار صكوك أو قرض ميسر سوري.
ثالثاً، مخاطر أمن الطاقة الإقليمي: بقاء استمرارية إعادة فتح مضيق هرمز وتعافي الإنتاج النفطي والغاز الخليجي مرهونين باستقرار الأوضاع الأمنية الإقليمية، بحيث يظل أي انتكاس جيوسياسي قابلاً لإعادة الضغط على فاتورة الطاقة المستوردة سوياً بالسرعة ذاتها التي خف بها.
رابعاً، مخاطر المنافسة الإقليمية على رأس المال: تصاعد الصعود الصناعي التركي وتحسن مؤشرات التنافسية الخليجية بما يرفع العتبة التنافسية أمام سورية في استقطاب الاستثمار الأجنبي، وهو ما يستوجب وتيرة إصلاح مؤسسي محلي متسارعة نسبياً لا مجرد مواكبة للمعايير الإقليمية القائمة.
| المؤشر | القيمة / الحالة خلال حزيران 2026 |
| مهلة استبدال العملة | تمديد 30 يوماً اعتباراً من 1 تموز |
| زيادة المعاشات التقاعدية | 30% (حد أدنى 12,560 ل.س جديدة) |
| أفق برنامج الإصلاح الضريبي والجمركي (صندوق النقد الدولي) | 8 مجالات إصلاح على 24 شهراً |
| عودة قطاع التأمين السوري لسوق لويدز | أول عقد بعد توقف 15 عاماً |
| نمو إجمالي صادرات النفط الخليجية | +20% إلى 508 ألف برميل يومياً (كبلر) |
| نطاق تقلب أسعار الذهب خلال الشهر | 4,145 – 4,338 دولار للأونصة |
| توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي (مسح الفدرالي) | تراجع إلى 1.8% من 2.1% |
| الحصة السوقية العالمية للسيارات الكهربائية | 26.1% (بقيادة الصين) |
المصدر: تجميع الباحث استناداً إلى تقارير الرصد الأسبوعي لشهر حزيران 2026 والمصادر الدولية المشار إليها فيها.