المشاريع الصغيرة والمتوسطة في سورية: الرافعة الاستراتيجية للنمو والتنمية في مرحلة التعافي الاقتصادي

الدور الاقتصادي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة:

المشاريع الصغيرة والمتوسطة (SMEs) من الخيارات والبدائل الهامة التي تبنى عليها استراتيجيات النمو والتنمية الاقتصادية، لا سيما في الاقتصادات النامية والخارجة من الأزمات والصراعات، وبالتالي فإن دعم هذا المسار يعتبر من الخيارات الاستراتيجية التي تتبناها الحكومات والمؤسسات الدولية لتعزيز الإنتاجية وتحقيق التنمية في مختلف القطاعات الاقتصادية، وذلك لأن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تمثل نحو 90% من إجمالي الشركات في العالم وتوفر أكثر من نصف الوظائف، ما يجعلها أحد المحركات الأساسية للنشاط الاقتصادي في معظم الدول، وتشكل مساهمة هذا القطاع من الناتج المحلي الإجمالي في الدول النامية بما يقارب 40%، بالإضافة إلى دورها في توليد فرص العمل وتحفيز الابتكار والإنتاجية لدى هذه الاقتصادات، كما وتشكل الغالبية الساحقة من المؤسسات الاقتصادية في العديد من الدول وتساهم بنسبة تتراوح بين 50-60% من القيمة المضافة في اقتصادات الدول المتقدمة.

من الناحية الاقتصادية تكمن أهمية هذه المشاريع في قدرتها على توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، فهي لا تقتصر على إنتاج السلع والخدمات، بل تسهم في تعزيز المنافسة وتحسين جودة المنتجات وتوسيع نطاق الأسواق المحلية، كما أن انتشارها في قطاعات متعددة يسمح بتوزيع النشاط الاقتصادي على نطاق أوسع، الأمر الذي يقلل من مخاطر التركز الاقتصادي ويعزز مرونة الاقتصاد في مواجهة الأزمات، وتلعب أيضاً دوراً مهماً في تعزيز النمو الاقتصادي من خلال ما يعرف بالتأثير المضاعف الاقتصادي، فعندما تنشأ مشاريع جديدة وتبدأ بالإنتاج، فإنها لا تولد دخلاً لأصحابها فقط، وإنما تخلق شبكة من العلاقات مع الموردين والعمال والموزعين، ما يؤدي إلى تحفيز الطلب في قطاعات أخرى داخل الاقتصاد، ونتيجة لذلك يتزايد حجم النشاط الاقتصادي وتتحسن مؤشرات النمو والاستثمار، وهو ما ينعكس إيجاباً على معدلات النمو الاقتصادي.

المشاريع الصغيرة والمتوسطة كخيار استراتيجي واقعي في سورية:

في السياق السوري اكتسبت مسألة إعادة بناء الاقتصاد الوطني أهمية متزايدة نتيجة التحولات الكبيرة التي شهدها الاقتصاد السوري بفعل تداعيات الأزمة، فقد أدت سنوات الصراع إلى تراجع كبير في مستويات الإنتاج والاستثمار، إضافة إلى تضرر جزء كبير من البنية التحتية والقاعدة الصناعية والزراعية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على مؤشرات الاقتصاد الكلي مثل النمو الاقتصادي ومعدلات البطالة ومستويات الدخل، وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الاقتصاد السوري فقد جزءاً كبيراً من قدراته الإنتاجية خلال سنوات الصراع، مما يجعل مسألة إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية أولوية أساسية في مرحلة التعافي الاقتصادي.

في ظل هذه الظروف يبرز سؤال جوهري يتعلق بالمسار الأكثر واقعية لتحقيق التعافي الاقتصادي وإعادة تفعيل النشاط الإنتاجي في سورية، وانطلاقاً من ذلك تبرز المشاريع الصغيرة والمتوسطة كأحد الخيارات الاستراتيجية القادرة على المساهمة في إعادة بناء الاقتصاد الوطني وتحقيق نمو اقتصادي أكثر توازناً واستدامة، ويعود ذلك إلى مجموعة من الخصائص التي تميز هذا النوع من المشاريع، من أهمها قدرتها على العمل برؤوس أموال محدودة نسبياً، إضافة إلى مرونتها في التكيف مع البيئات الاقتصادية المتغيرة، كما أن انتشارها في مختلف المناطق الجغرافية يسمح بتنشيط الاقتصادات المحلية وإعادة توزيع النشاط الاقتصادي بشكل أكثر توازناً بين المناطق، وهو ما يسهم في دعم التنمية المحلية والحد من التفاوتات الاقتصادية بين المناطق الحضرية والريفية.

دور المشاريع الصغيرة والمتوسطة في القطاعات الاقتصادية السورية المختلفة:

ضمن مسار إعادة بناء الاقتصاد الوطني، يمكن للمشاريع الصغيرة والمتوسطة أن تلعب دوراً جوهرياً في إعادة بناء القاعدة الإنتاجية للاقتصاد السوري من خلال مساهمتها في عدد من القطاعات الحيوية، ففي القطاع الصناعي يمكن لهذه المشاريع أن تسهم في تنشيط الصناعات التحويلية الخفيفة والمتوسطة مثل الصناعات الغذائية والنسيجية والصناعات البلاستيكية والمنتجات الكيميائية البسيطة، حيث تتميز هذه الصناعات بقدرتها على تحقيق قيمة مضافة محلية مع إمكانية خلق شبكات علاقات إنتاجية مع قطاعات أخرى داخل الاقتصاد، الأمر الذي يساعد في تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الإنتاج المحلي.

أما في القطاع الزراعي فإن المشاريع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بسلاسل القيمة الزراعية يمكن أن تلعب دوراً كبيراً في زيادة القدرات الإنتاجية لهذا القطاع بالشكل الذي يعزز الأمن الغذائي، وتشمل هذه المشاريع أنشطة التصنيع الغذائي والتعبئة والتخزين والتسويق الزراعي، وهي أنشطة تسهم في تقليل الفاقد الزراعي وتحسين كفاءة استخدام الموارد، كما يمكن لهذه المشاريع أن تدعم صغار المزارعين من خلال توفير خدمات التسويق، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة دخل الأسر الريفية ويساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي في المناطق الزراعية.

إلى جانب ذلك يتضح تأثير المشاريع الصغيرة والمتوسطة في قطاع الخدمات، الذي يمثل أحد أكبر القطاعات من حيث القدرة على توليد فرص العمل، وتشمل هذه الأنشطة مجالات التجارة والنقل والخدمات اللوجستية والسياحة والخدمات المهنية، وهي قطاعات يمكن أن تسهم بشكل كبير في تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي وخلق فرص عمل جديدة، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البطالة خلال السنوات الماضية، وتشير دراسات منظمة العمل الدولية إلى أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تعد من أكثر الأنشطة الاقتصادية كثافة في استخدام العمالة، وهو ما يجعلها أداة فعالة لمعالجة مشكلات البطالة والفقر في الاقتصادات الخارجة من الأزمات والصراعات.

ومن التطورات الواضحة التي شهدها هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة ظهور فرص جديدة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في إطار الاقتصاد الرقمي، فلقد أتاح التوسع في استخدام التكنولوجيا الرقمية والإنترنت إمكانات واسعة لتأسيس شركات ناشئة في مجالات البرمجة والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، ويمكن لهذه الأنشطة أن تسهم في خلق مصادر دخل جديدة وربط الاقتصاد السوري بالأسواق الإقليمية والعالمية، خاصة أن هذا النوع من المشاريع يعتمد بدرجة كبيرة على رأس المال البشري والمعرفة، وهو مورد يمتلكه المجتمع السوري بدرجة ملحوظة، ولا سيما بين فئة الشباب المتعلمين.

الانعكاسات على مؤشرات الاقتصاد والتنمية المستدامة والسياسات الداعمة:

على مستوى الانعكاسات الاقتصادية الكلية فإن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة يمكن أن يسهم في تحقيق مجموعة من الأهداف الاقتصادية، فمن جهة يساهم توسع هذا القطاع في خلق فرص عمل جديدة والحد من البطالة، وهو ما يؤدي إلى تحسين مستويات الدخل وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، ومن جهة أخرى يساعد انتشار هذه المشاريع في تنويع الهيكل الاقتصادي وتقليل الاعتماد على عدد محدود من القطاعات التقليدية، الأمر الذي يزيد من مرونة الاقتصاد وقدرته على مواجهة التقلبات الاقتصادية.

كما يمكن للمشاريع الصغيرة والمتوسطة أن تلعب دوراً مهماً في تعزيز الصادرات وتحسين الميزان التجاري من خلال تطوير الصناعات المحلية ورفع قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية، وتوسع هذا القطاع يؤدي إلى زيادة الإيرادات العامة التي يمكن توجيهها لتمويل برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعلى مستوى التنمية المستدامة فإن انتشار المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مختلف المناطق يسهم في تعزيز التنمية المحلية وتقليل الفوارق الاقتصادية بين المناطق، وهو ما يدعم تحقيق تنمية أكثر شمولاً وتوازناً.

في ضوء ما سبق يمكن القول إن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تمثل أحد الخيارات الاستراتيجية الأساسية لتعزيز النمو والتنمية الاقتصادية في سورية خلال مرحلة التعافي الاقتصادي، إلا أن تحقيق هذا الدور يتطلب تبني مجموعة من السياسات الداعمة التي تركز على تحسين الوصول إلى التمويل، وتبسيط الإجراءات التنظيمية والقانونية، وتطوير برامج التدريب وبناء القدرات، إضافة إلى تعزيز بيئة الابتكار وريادة الأعمال، فكلما كانت البيئة المؤسسية والاقتصادية أكثر دعماً لهذا القطاع، سيؤدي ذلك إلى زيادة قدرته على الإسهام في إعادة تنشيط الاقتصاد السوري وتحقيق مسار تنموي أكثر استدامة واستقراراً.

الباحث: د. وائل أحمد


img